أقلام عربية

صناعة السلطة في الوطن العربي

لم يكن العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين رحيما بالديكتاتوريات العربية, فبعد اكثر من نصف قرن من استقلالها –ان لم نقل استقلالها الجزئي لانها لا زالت تحت وطاة السيطرة الثقافية الغربية- لم تفلح الحكومات العربية الا في تحضير جلاديها, فسياسيوها مروا على الاخضر واليابس لم يتركوا شيئا لشعوب مستضعفة ومثقفون وعلماء دين
اغلبهم صفق للحاكم من اجل مراكز وامتيازات الا قلة من المناضلين سحقوا اينما وجدوا.
والمتتبع للشان العربي سيرى ان الخطاب العربي الرسمي جعل من السياسيين اناس غير عاديين فوق القانون وحجر الزاوية لسيرورة امور البلاد والعباد. هدا الاحساس دفع الكثيرين للتعاطي للسياسة من اجل الكسب والجاه وولد لدى الاجيال احباطا ونفورا للعمل السياسي الذي تستحود عليه طبقة معينة وتتوارثه. تداول السلطة بهدا الشكل صنع نخبة داخل دائرة القرار السياسي اعدمت عملية الانتقال السياسي بين كل مكونات المجتمع المدني وحتى ان كان هناك انتقالا او تداولا سياسيا فهو يتم بين افراد النخبة بشكل قبلي.
ما الدي يعطي الحق لانسان ان يحكم اخيه الانسان؟
تظهر دراسات تاريخ البشرية ان الدليل لهته السلطة او الحكم كان دينيا عند كل المجتمعات البشرية, ولدلك كانت السلطة مقدسة والحاكم كان يستمد شرعيته من الدين واحيانا اخرى من الخرافات لتثبيت الشرعية واستمرارها. العلاقة جد معقدة بين السلطة الثقافية والسلطة السياسية في المجتمعات العربية سأعود الى تحليل هذه الثتائية المعقدة في دراسة لاحقة ان شاء الله.
الدولة في الوطن العربي محددة في المجتمع السياسي او الطبقة الحاكمة فقط في غنى عن المجتمع المدني. عرف غرامشي الدولة على انها المجتمع السياسي والمجتمع المدني فهي توازن بينهما ويضيف ان المجتمع المدني والدولة هما في الواقع الملموس شئ واحد.
فالمجتمع المدني عند هيغل تقابله الدولة والمجتمع السياسي باعتبارهما لحظتين في البنية الفوقية, بل يشمل المجتمع المدني في فلسفة الحق الهيغلية العلاقات الاقتصادية. فالمجتمع السياسي اذن بمعنى الهيمنة السياسية والثقافية لجماعة اجتماعية معينة على المجتمع كله, باعتبارها المضمون الاخلاقي للدولة. وهته البنية الدهنية مترسخة في الفكر السلطوي العربي وتتجلى بشكل راسخ في محاولات توريث السلطة ونقلها بين افراد الجماعة المهيمنة وكذا افراد الحزب.
هذا الوضع ولد شرخا بين الجماعة الفوقية وبين مكونات المجتمع وبين الممثلين والممثلين لهم, فانفصلت الاحزاب عن المجتمع ولم تعد الاحزاب بطريقة تنظيمها الحالية وقيادييها معترف بها من الاغلبية الساحقة من المجتمع الذي تعبر عنهم. هذا الوضع يولد صراعا ويفسح المجال امام الحلول العنيفة وينطبق على الحالة الراهنة للشعوب العربية. فالاحزاب السياسية حتى وان وجدت في العالم العربي فقد انصهرت في الواقع السياسي النخبوي العربي ولم تعد تحمل هم الشعوب بقدر ما تحمي الدولة المتمثلة في السلطة الحاكمة واصبحت احزاب كارتونية تجري وراء اهداف شخصية ولا تمثل الا جماعتها. انها ازمة هيمنة الطبقة الحاكمة.
لقد فشلت الدولة العربية في مشروعها السياسي الكبير المتمثل في بناء دول حديثة ديمقراطية تضمن العيش الكريم لكل مواطنيها, دول غير تابعة ودول قوية بكل طاقاتها كيفما كانت طبقاتهم الاجتماعية. كما ان انتقال الجماهيرالمكونة من الطلاب والمثقفين الصغار وشرفاء الامة من الحالة السياسية السلبية الى نوع من الحركية الايجابية ادى الى الدفع بمطالب انتظرت لعقود. رغم ان الحركية لم تكن منظمة بالشكل اللازم الا انها كانت تعرف هدفها المقصود, الا هو التغيير وإعادة صياغة المشروع السياسي الكبير للامة. فوضع الاحزاب السياسية العربية اكثر مأساوية من الواقع السياسي فهي لا زالت تردد شعارات الماضي وأفكار بالية تؤرخ لمرحلة الانحطاط فهي لم تستسغ بعد افكار التغيير لأنها ببساطة لا تريد التغيير, التغيير يعني فقدان المكاسب والمواقع وخلق حركية داخل المجتمع, كل هدا يهدد مصالحها.
كما ان ضعف اغلب الاحزاب العربية يرجع ليس فقط لقياداتها القديمة ومشاريعها الفارغة بل ايضا لدور الدول السلبي في تقوية الدولة من خلال الاحزاب. فالدولة تعمل دائما كحزب فوق الاحزاب يهيمن على الحياة السياسية ويسيرها بتواطؤ مع باقي الأحزاب وفي نفس الوقت تعمل الدولة-الحزب على تفكيك بعض التيارات والأحزاب وإضعافها وإبعادها عن المعترك الاجتماعي لتلعب الدولة دور الوسيط والحكم والحكيم ايضا في العلاقة بين الاحزاب والمجتمع.
فالدولة-الحزب من خلال هذا الطرح تسعى الى اطفاء الشرعية على سياساتها التي هي في الاساس تهدف الى اضعاف الدولة – المجتمع كثنائية وتسعى الى تقوية الدولة-الحزب على مصالح الشعب وبدلك فهي لا تعمل على تحقيق التوافق بين الاعلى والأسفل وتقوية الاحزاب والعملية السياسية برمتها, من اجل المصلحة العامة. هته الاخيرة هي الضامن الوحيد لاستمرار الدولة وإلا تكون الدولة في عملية لتحطيم الذات.
عبدالله العبادي

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق