التحليل السياسي

أردوغان لا يعطي ميركل بطاقة النجاح في الانتخابات

أناستاسيا زوكوفا
أدلى الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ببيان لم يسبق له مثيل موجه إلى الاتراك الناطقين بالألمانية في المانيا يطلب منهم عدم التصويت في الانتخابات البرلمانية القادمة في سبتمبر/أيلول المقبل لاختيار النواب من المرشحين من الاحزاب السياسية الرئيسية في البلاد وهى كتلة الحزب الديمقراطي المسيحي CDU مع حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحيCSU  والحزب الديمقراطي الاشتراكي، وحزب الخضر، لأن “كل هذه الأحزاب أعداء تركيا” حسب قوله. وأعلن هذا في خطاب ألقاه بعد صلاة الجمعة في اسطنبول يوم 18 اغسطس.
يعيش اكثر من 1.5 مليون تركى في المانيا، وكثير منهم من الالمان، ويحمل منهم 400 الف جواز سفر تركى. وهم يعيشون أساسا في المدن الكبيرة وهم المجتمع الوحيد من البلدان الإسلامية التي تندمج تقريبا في الحياة الألمانية وأصبح بالفعل جزءا لا يتجزأ منها، بما في ذلك سياسيا. فرانكفورت هي المدينة الوحيدة في ألمانيا حيث عدد السكان الذين لديهم جذور أجنبية أكبر من الألمان الأصليين، والأتراك  يعدون حوالي 13٪ من السكان وفقا لأحدث الإحصاءات.
ما لم يقله أردوغان  واضح المعنى
لذلك، بدت كلمات أردوغان قوية جدا ولكنها في الواقع عنت أكثر بكثير مما يمكن للعديد أن يفكروا فيه.
ووفقا للإحصاءات، فإن الأتراك الألمان يصوتون أساسا للحزب الديمقراطي الاشتراكي. المواطنين الناطقون بالتركية من أصل تركي نادرا ما يصوتون لكتلة الحزب الديمقراطي المسيحي CDU مع حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحيCSU  بسبب ماضي الكتلة المسيحي وسياساتها الموالية للأثرياء من السكان، والتي لا ينتمي إليها غالبية الأتراك في ألمانيا. الأتراك الألمان لا يؤيدون بشكل خاص “الخضر” لأن هذا الحزب يعزز “قيمه الحديثة” وينتقد أنقرة وسياستها تجاه الأكراد والأقليات الأخرى. على الرغم من أن أحد قادة هذا الحزب هو من أصل تركي ولكنه عدواني للغاية تجاه الرئيس التركي الحالي.
الأتراك الألمان ليسوا متجانسين. من بينهم العديد من أنصار تركيا العلمانية، وهم لا يحبون أردوغان. ومع ذلك، فإن معظم الأتراك الألمان، وفقا لاستطلاعات الرأي، يدعم أردوغان، ولا يدعم منتقديه.
الأحزاب الهامة الاخرى التي ستنافس فى الانتخابات والتي لم يصفها أردوغان  بأعداء تركيا لا تبدو جذابة بما فيه الكفاية لمعظم الناخبين الاتراك. وكذلك حزب “البديل لألمانيا” المناهض للمهاجرين والمسلمين ” ليس جذابا بالنسبة لهم أيضا. كذلك لا يتقق الأتراك الألمان مع الليبراليين من الحزب الديمقراطي الحر ومن الحزب اليساري الذي ينتقد سياسيون بارزون منه في كثير من الأحيان أردوغان بسبب الاستبداد، وقمع المعارضة والأقليات العرقية. في الواقع، فإن نداء أردوغان “بعدم دعم الأطراف التي تتصرف” بشكل خاطئ “ولها” عقول معادية للإسلام “، لا ينطبق على هذه الأحزاب أيضا.
في الواقع، كان أردوغان على بعد خطوة واحدة من دعوة الأتراك الألمان إلى إنشاء حزبهم السياسي الخاص، الذي يبنى على مبدأ طائفي وإثني، على غرار ما فعله أمثالهم في هولندا في الانتخابات الأخيرة حيث صوت جزء كبير من الأتراك المحليين والعرب والبربر الذين انضموا إليهم، الأتراك الألمان والذين كانوا ينتمون إلى الناخبين السابقين للديمقراطيين الاشتراكيين الهولنديين، لصالح حزب دنك الذي تم إنشاؤه حديثا، والذي له هدف في البرلمان وهو دعم مصالح وهوية الأقليات الإثنية من أجل إجبار الأغلبية الهولندية على قبول هذه الأقليات كما هي – بكل تقاليدها التي تتعارض مع الثقافة الأوروبية. وحذر تسارغراد من ان المانيا والدول الاوروبية الاخرى حيث يزداد عدد المغتربين تسير في نفس الاتجاه .
السياسيين الألمان صدموا
لم يسمح أي شخص لنفسه بمثل هذا التدخل في الشؤون الداخلية للبلد الرائد في الاتحاد الأوروبي قبل أردوغان، والذي اعترف به وزير الخارجية سيغمار غابرييل (من الحزب الاشتراكي الديمقراطي) ووصفه بأنه أمر غير مسبوق، وحث غابرييل مواطني المانيا على “مقاومة مثل هذا التدخل في سيادة البلاد والذي يعتبر فريدا من نوعه “.
حقا، دعونا نتصور، لو أن فلاديمير بوتين ناشد العديد من المهاجرين الروس الذين استقروا في ألمانيا، وقال لهم لمن يجب ألا يصوتوا، وذلك باستخدام التلميح بأن الوقت قد حان لتحديد مصيرهم بأيديهم …
ولذلك، حتى وإن حذرت مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل الرئيس التركي هذه المرة بشدة: “لن نسمح لأي شخص، بما في ذلك الرئيس أردوغان، بالتدخل في حرية اختيار مواطنينا، بمن فيهم المواطنون الألمان من أصل تركي”. فمن الواضح أن مسيرة أردوغان كانت نتيجة وضوح الصورة لديه  أنه من المستحيل مواصلة المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا بشأن إنشاء الاتحاد الجمركي.
أردوغان غاضب
قرر أردوغان عدم التحدث إلى ميركل، فخاطب وزير خارجيتها، حيث وكما يبدو أنه يريد مرة أخرى أن يزيد من المشاحنات بين الأتراك الألمان والديمقراطيين الاشتراكيين الألمان.
وقال اردوغان له “هو لا يفهم اي شيء، هل سيتناقش مع رئيس الجمهورية التركية؟ عليه التحدث مع وزير الخارجية التركي، فاعرف مكانك، ولا تخبرنا ماذا نفعل”.
“كم من الوقت لديك في السياسة، كم عمرك؟” واصل الرئيس التركي إهانة غابرييل.
إن العلاقات بين تركيا وألمانيا والاتحاد الأوروبي تتدهور بسرعة ولا رجعة فيها. ووصلت المفاوضات بشأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إلى طريق مسدود وأنقرة لم تنته بعد فقط لمجرد وجود فرصة إضافية لابتزاز الاتحاد الأوروبي. وتتهم السلطات التركية الاتحاد الأوروبي وألمانيا، على وجه الخصوص، بدعم الانقلاب الفاشل في البلاد. وهي ساخطة لأن الأوروبيين يقفون مع الأكراد والأرمن والاستمرار بنظام التأشيرات مع تركيا.
آفاق لا تحسد عليها
في الواقع فالاتحاد الأوروبي ينتقد أنقرة للاعتقالات الجماعية للمعارضة وقمع الأكراد وانتهاكات “حقوق الإنسان” بشكل عام. المزيد والمزيد من الدول بما فيها ألمانيا، أدانت رسميا تركيا بارتكاب إبادة الأرمن والأقليات القومية الأخرى خلال الحرب العالمية الأولى، والذي سبب غضبا كبيرا في أنقرة. وذلك لأن هذه التهم عادة تعني المطالبات المالية في عالم اليوم. وعلى الرغم من أنه لا يمكن إنكار حقيقة الإبادة الجماعية للأرمن، فإن أحدا لم يكن ملاك في ذلك الوقت. حجم المذبحة المتبادلة، بطبيعة الحال، ليست قابلة للمقارنة.
وذهب نزاعهما إلى حد أن ألمانيا أعلنت عن فرض عقوبات اقتصادية على تركيا مؤخرا. ويبدو أنه حتى لو أن ظاهرة أردوغان، لن تستمر فلن يضمن أحد أن العلاقات بين أنقرة وبرلين ستعود إلى وضعها الطبيعي. وبما أن نظام أردوغان لديه أنصاره، فإن المصالح الوطنية لتركيا تمنع بالفعل اندماجها مع الاتحاد الأوروبي.
سابقة للمستقبل
ومع الأخذ بعين الاعتبار الوضع الحالي، يمكننا القول إن الحزب التركي يمكن أن يظهر في المستقبل القريب كما حدث في هولندا. مجلس الوزراء الالماني له طبيعة ائتلافية. لذلك، عندما يتغلب الجانب التركي على حاجز ال 5 في المئة (والذي ليس من الصعب تأمينه)، فقد تتحول الجالية التركية لتصبح “صانعة الملك”. وهذا يعني أنه يمكن أن يؤثر بقوة على العمليات السياسية في البلاد بسبب عدد الطائفة التركية.
ليس فقط ألمانيا أو هولندا لديها هذا المصير، ولكن أوروبا الغربية كلها. فبفضل التركيبة السكانية والتدفق المستمر للمهاجرين الجدد، والمواقف من القادمين الجدد أصبحت الأقليات أقوى بشكل عام. وبصفة عامة، ستفوز ميركل بالانتخابات في سبتمبر المقبل. وبالنظر إلى حقيقة أن أردوغان لم يعطها “بطاقة الدخول الى الحكم”، فإن الوضع لن يتغير. فقدت كتلة الحزب الديمقراطي المسيحي CDU مع حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحيCSU  نسبة مئوية من أصوات الناخبين، ولكنها ليست مشكلة حتى الآن. ولكن لا يمكن تجاهل هذه المشكلة في غضون الأعوام القادمة. أما ماذا سيحدث في بضعة عقود؟ فالسياسيون الغربيون لا يفضلون النظر إلى أبعد من ذلك.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق