ادب

على هامش “في نفي المنفى”

عيسى الشعيبي
ما أن فرغت من قراءة الكتاب الذي استنطق فيه الصديق صقر أبو فخر، على مدى سحابة عشرة أيام، المفكر العربي الفلسطيني عزمي بشارة، وحاوره بذهنية الصحافي البارع، ومهنيّة الباحث المدقق، وروح المؤرخ المعاصر، حتى قفز السؤال الأثير لدي، والذي لم يطرحه السائل الشغوف بالوقائع والحقائق والأسماء والأماكن، بقدرٍ لا يقل عن اهتمامه بالأفكار والمساجلات الفكرية. أعني السؤال بشأن مفهوم المنفى ذاته، المتكوّن لدى شخصية نضالية اكتوت بتجربة المنفى القاسية، في زمن لاحق على تجارب غيره من المناضلين والمثقفين، ممن عاشوا هذه المحنة الوجودية في ديار الشتات عقب النكبة، وعبّروا عنها ببلاغة، سواء في نتاجهم الفكري أو إبداعاتهم الفنية والأدبية، لعلنا، بفضل هذه الإطلالة التأملية من مثقف بارز من وزن عزمي بشارة، نقف على الفوارق الدقيقة بين خبرتين ورؤيتين لجيلين عاشا في زمنين مختلفين، واكتويا بنار الاقتلاع والإلغاء نفسها، خصوصاً أن عنوان الكتاب كان يشي بالخوض في غمار هذه المسألة التي لم يتم إشباعها بحثاً بعد.
لا تقلل هذه الملاحظة الاستهلالية من أهمية هذا الإصدار (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 336 صفحة)، تنقّل أبو فخر خلالها، برشاقةٍ لا تنقصها الرصانة، على أربع عشرة مساهمة عميقة، أو قل أربع عشرة محطة في حياة الدكتور بشارة، وطاف معه من ضفاف السيرة الذاتية العاصفة بالتطورات فوق الشخصية، فضلاً عن مؤلفاته (أكثر من عشرين عنواناً) إلى أن انتهى وإياه عند مواقف المفكر النقدية حيال موضوعاتٍ جدلية كثيرة، واستكشف ببراعة آراء
بشارة إزاء أحداث كبرى وقضايا عديدة شغلت حيزاً واسعاً من اهتمامات النخب السياسية وقادة الرأي في العالم العربي، واستحوذت على اهتمامات غيرهم من المشتغلين بالفكر والثقافة وشؤون المجال العام وشجونه، بما في ذلك الكتب التي وضعها المؤلف في بدايات حياته، وقدّم فيها رؤاه من داخل المجتمع العربي في إسرائيل، ناهيك عن تلك السلسلة الطويلة من الأطروحات النظرية حول جملة من المسائل الساخنة، لا سيما ما اتصل منها بزمن الثورات الشعبية العربية المغدورة.
ربما كانت اهتماماتي المبكرّة بموضوع الفكرة الكيانية الفلسطينية، وتطوراتها التدريجية اللاحقة، منذ انبعاثها بعد سبات طويل في أعقاب النكبة، هي التي حملتني على توقّع حوار أكثر استفاضةً مما فاض به هذا الكتاب المعنون بأحد أهم معطيات مفهوم الكيانية، وأعمق مكوناتها حيوية، وهو معنى المنفى ذاته لدى مثقفٍ أسهم، مع غيره من المناضلين الوطنيين والمفكرين، في إثراء هذا المفهوم، وبلورة الفكرة الكيانية التي لم يتم استنهاضها، أو قل انتزاعها من غياهب الضياع والتضييع المتعمد، إلا بفعل كفاح وطني متعدّد الأشكال، لا سيما الكفاح المسلح الذي أعاد بعث الهوية الفلسطينية من تحت الرماد، حتى لا نقول إنه خلقها من العدم، وحقق بجسارته العملانية والسياسية، حضوراً وطنياً لافتاً، لما بدا، في حينه، أنه مجرد مجموعة سكانية مهمشة وفائضة عن جغرافيا دول الشرق الأوسط، وهي جسارةٌ أفضت، في نهاية سيرورتها التاريخية، إلى ظهور تمثلات واعدة بالحرية والاستقلال، في صورة أجهزة وتعبيرات كيانية واعدة، عبر سلطة وطنية ذات مؤسساتٍ تمثيليةٍ منتخبة انتخاباً مباشراً لأول مرة في تاريخ الحياة الفلسطينية.
كان المنفى، في حد ذاته، مكوناً رئيساً من مكونات الشخصية الفلسطينية الفردية، وواحدةً من حواضن الهوية الجماعية لملايين اللاجئين، ممن تفتح وعيهم المشترك في صقيع مشاعر الغربة والفقر والاستلاب، ناهيك عن النبذ والاضطهاد والحصار، فكانت معاناتهم دافعاً قوياً من دوافع التمرّد على الواقع المثير للغضب، ورافعةً من روافع الثورة المسلحة على عوالم المنفى والشتات، وعلى واقعهم البائس أيضاً، وهي حالةٌ أحسب أنها مختلفة لدى فلسطينيي الـ48 الذين عاشوا محنة الغربة داخل ديار الوطن، وتطوّر وعيهم بأنفسهم، في ظروف أخرى مغايرة عن ظروف ذويهم في الخارج، وهي معاناةٌ قد تكون أشد هولاً من التي عاشها أشقاؤهم في المنافي والمخيمات والمهاجر، الأمر الذي أنتج لديهم بالضرورة الموضوعية مدركاتٍ حسّية، وأخرى ذهنية، تتقاطع حيناً وتفترق في أحيان كثيرة، عما تكوّن من وعي ذاتي، وتحقّق من تطور مؤسسي لدى مواطنيهم في المهاجر النائية.
ومن هو أكثر من الدكتور عزمي بشارة سعة أفق، وأشد منه قدرةً على تشخيص الواقع الذي ولد فيه عام 1956، كي يحدّث جمهور قرائه عن تلك المشاعر المختلطة لدى أبناء ذلك المجتمع الذي تشتت وتدمر وصودر وشطب عن الخريطة، وصار نسياً منسياً عند ذويه، وأسقط من حسابات أبناء جلدته، إلى أن اكتشفنا نبرة اعتدادهم بالنفس، بل وتميّزهم الجارح للوجدان العربي، فيما عرف باسم شعراء الأرض المحتلة، ثم عثرنا عليهم في أبهى صورة ممكنة يوم الأرض في الثلاثين من شهر مارس/ آذار عام 1976، لا سيما أن الشاب الذي كانه عزمي
كان قد انخرط مبكراً في هموم مجتمعه واهتماماته، وطوّر فيما بعد عدّته الفكرية وأدواته الكفاحية، المطلبية منها والقومية، وصار من أعلام كفاح الأقلية العربية الكبيرة في إسرائيل، في سبيل الدفاع عن حقوقها في المواطنة المتساوية، وتحقيق هويتها الثقافية والوطنية، على نحوٍ لم ترق إليه إلا قلة قليلة من قادة هذا المجتمع الذي بات الآن الجزء الأكثر نشاطاً وفاعليةً بين مختلف أجزاء الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.
بهذه التوقعات المسبقة إذن، استقبلت كتاب “في نفي المنفى”، وأنا أتطلع إلى الوقوف على مقاربات المثقف العربي الفلسطيني المشهود له بقدرةٍ متميزةٍ في استكناه المعنى بدقة، وغربلة الوقائع بمهارة، وتشخيص الظواهر الاجتماعية والتحوّلات الفكرية بدراية المفكر القومي التقدمي اللامع، بما في ذلك مفهوم المنفى لدى منفيٍّ بالإكراه، اقتلع وهو في عمرٍ ناضج، وتأهيل نظري كامل لاستيعاب هذا المفهوم بشمولية، وتقليبه بذهنية مختلفة.
وما رفع من درجة توقعاتي المسبقة من هذا الإصدار الذي جاء على هيئة سؤال وجواب أن لدى صاحب هذا النص، أو قل الراوي، بالضرورة الموضوعية، تجربة مغايرة بتغير المكان والزمان، ومقاربة مختلفة عما لدى أترابه من المثقفين والمفكرين الفلسطينيين، ممن تفتح وعيهم داخل المنفى الحقيقي، وأمسك بتلابيبهم طوال الوقت، الأمر الذي يحمل على الاعتقاد بحق أن لدى هذا المثقف الموسوعي رؤية للمنفى من زاوية نظر أخرى، أحسب أن الحاجة ماسّة لمعرفتها، وربما مناقشتها إذا سنحت السانحة.
ختاماً، ليست هذه مراجعةً نقدية لكتابٍ أعتقد أنه يستحق القراءة المتأنية، حيث لم أبحر شخصياً سوى على الشاطئ من ساحل بحره العميق، بتحوّط وحذر شديدين، متجنّباً الغوص في مياهه الدافئة، أو الغرق في لججه العاصفة، إذ إن كل فصل فيه، أو قل كل محطةٍ من محطاته الحوارية، تقتضي من المراجع، بعين الباحث المعقب، أن يفرد لكل منها مقاربة ضافية مستقلة، وأن يستخرج من أعماق هذه المادة الفكرية المشتبكة مع الواقع بروح استكشافية، ما يلخصه صقر أبو فخر على الغلاف الأخير، ويسميه بصدق؛ إضافة نوعية إلى أدب الحوار الذي يرتفع مع هذا الإصدار مدماكاً معرفياً جديداً، ويشكل مرجعاً لا غنى عنه في اكتشاف تجربة المواجهة مع النظام السياسي الإسرائيلي، وتجربة التصدّي لقضايا الفكر والسياسة والثورات في العالم العربي.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق