كتاب العجائب

  • 3 شهر قبل
  • 0
هناك كتب ترافقنا من مكان إلى آخر، ولا نعرف لِمَ اقتنيناها وكيف. هذا يحدث معي، شخصياً، كلما أعدت ترتيب مكتبتي وفقا لحجم الكتب مرة، ولجنس الكتابة مرة أخرى. وهذا يحدث، أيضاً، عندما نغيّر رفوف المكتبة المتهالكة من ثقل ما تحمل، أو عندما نحرّكها من ركن في البيت إلى الآخر. كيف اقتنينا هذه الكتب، أو بعضها؟ هذا صعبٌ التأكد منه، خصوصا إذا مرّت عقود على وجودها في بيوتنا. أنا من الذين فقدوا نحو أربع مكتبات. واحدة صغيرة جداً في الأردن، وثانية كبيرة جداً في بيروت، وثالثة متوسطة في قبرص، والرابعة، نخبوية، في لندن بعد تركي صحيفة عربية شاركت في تأسيسها، فلما لملمت أوراقي مغادراً شطرا كبيرا من عمري قضيته في مكتب واحد يترواح طوله ثلاثة أمتار وعرضه متران، وزّعت، على زملائي الراغبين، كتبي التي كانت تحتل رفين كبيرين، وتتكدّس على مكتبي، وورائي (كنت اتحرّك والحال في مساحة ضاقت حتى أصبحت أقل من مترين!). ومكتبتي الأخيرة، حتى الآن، هي في البيت.
تتنوع الكتب التي نقتنيها حسب طبيعتها. فبعضها مرجعي (مثل لسان العرب الذي رافقني طويلاً)، وبعضها يعكس مزاجنا القرائي واهتمامتنا. قد نكون مررنا بمزاجٍ قرائي في فترة، وتغير في أخرى. كتب الشعر لا تفارقني. هذا ثابتٌ لا يتغير. الروايات تكثر، عندي، في فترة وتقل في ثانية. كتب الرحلة والأدب الجغرافي ومراجع حول بلدان معينة تكدّست عندي في الفترة التي كنت مولعاً فيها بأدب الرحلة، وكتبت فيه بحماسة بضعة كتب. لم يتغير كثيراً هذا الاهتمام، ولكن يبدو أن هذه الكتب توقفت في مرحلة معينة، فلم تزد في السنين الأخيرة، لأن مزاجي القرائي، وحتى الكتابي، تغير.
كل هذا لأخبركم عن كتاب رحلات ماركو بولو، الذي وجدته حياً (لا يرزق، لأن رزق الكتاب وتجدّده في القراءة). قصَّ ماركو بولو حكايات رحلته الطويلة الشاقة على زميلٍ له في السجن، في مدينة جنوا الإيطالية، يدعى روستيشيلو الذي صادف أنه كاتب، وأولع بحكايات ماركو بولو، وساعده على تدوينها في صيغة كتابٍ، ليذيع صيت هذا المصنّف الرحلي والجغرافي والخرافي في كل أنحاء أوروبا.
هناك شك اليوم في نسبة الكتاب. وشك أكبر في معلوماته التي “سجّلها” بعد فترة طويلة  على “رحلته” الشرقية. يمر ماركو بولو في بلدان عربية عدة، في طريق رحلته إلى امبراطور الصين، قوبلاي خان حفيد جنكيز خان. فتحت الكتاب ذا الورق الأصفر الخشن، وطبع الهيئة المصرية العامة للكتاب، ففاحت روائح بلدان، تساقطت أمطار، تراكضت خيولٌ بلا توقف، طقطق الهواء من فرط الجفاف، اتسعت الصحراء حتى كادت لا تنتهي، تكاثفت الخضرة حتى غطت الأرض.
كنت قرأت الكتاب قبل أول زيارة لي إلى عُمان، وهي من البلاد العربية التي يمر بها الرحالة الإيطالي. هناك ما يذهلك في هذا البلد العربي النائي، وشبه المنعزل، فترة طويلة. أتذكّر أن الحرارة كانت خانقة، والرطوبة لا تطاق. كان جو الفندق الذي نزلت فيه يختلف تماماً عن الخارج. ماذا يحدث في هذه العمائر الإسمنتية، محكمة الإغلاق، لو انقطعت الكهرباء التي تجعل الحياة في بلدان الخليج العربي ممكنة؟ كيف كان يعيش الناس قبل الكهرباء؟ عاش الناس في الخيلج العربي قروناً متعاقبة، وخصوصا في عُمان التي لم ينقطع فيها التحضُّر والدول القوية التي سيطرت، في فترة من عمرها، على محيطها العربي والإفريقي، فكيف كانوا يتغلبون على هذا الطقس الضاري؟ الجواب عرفته من ماركو بولو الذي مرَّ في بلاد مالك بن فهم. من المؤكد أن التغلب على الحرارة العالية، والرطوبة القياسية في المناطق الساحلية، كان هاجس العمارة التقليدية. فها هو ماركو بولو يصف “هرمز” العُمانية في “كتابه” فيقول: “الحرارة التي تنجم هنا مفرطة، ولكن القوم يتزوّدون بكل بيت بمراوح يدخلون بواسطتها الهواء إلى مختلف الطوابق، وإلى كل شقة من شقق المنزل حسب الإرادة. فلولا هذه الوسيلة ما أمكن العيش بتلك المنطقة”!
أمجد ناصر
  • facebook
  • googleplus
  • twitter
  • linkedin
  • linkedin
  • linkedin
الرجوع «
التالي »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *