التحليل السياسي

بورصة الإفتاء وتداولات المسجد الأقصى.

بقلم: د. يحيى محمد ركاج
أتت أحداث المسجد الأقصى في الوقت الذي تشهد فيه الأمتين العربية والإسلامية أسوأ مراحل إجهاضهما السياسي والإجتماعي، ويتهيئان فيه لدخول عصر العبودية المعولم بطرق وأساليب جديدة تسجل لهم ابتكار جديداً في عالم الإنحطاط السياسي، فإذا أدركنا أن انتهاكات الكيان الصهيوني (اسرائيل) لم تتوقف أبداً نحو الفلسطينيين والمسجد الأقصى منذ احتلال الكيان الصهيوني للأرض العربية الفلسطينية، وأن مسلسل خطباء المنابر وأئمة المساجد وفتاوى رجال الدين في معظم الدول التي قمت بزيارتها في الفترة الماضية، والتي كان يتناقلها الأباء والأجداد أيضاً، كان جل حلقاتها الاسبوعية عن أطماع الكيان الصهيوني بالأقصى، وفي السنوات الأخيرة اقتصرت على الحفريات التي يقوم بها الكيان تحت المسجد الأقصى، وعلى التضليل الإعلامي الذي يمارسه الإعلام بالخلط بين صورة مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى، في محاولة إثارة فوضى المعلومة وطمس هدم الكيان للمعالم الرئيسة في المسجد والتي يسعى الصهاينة لأن يجعلو منها هيكلهم المزعوم. فإن المفارقة الكبرى في من يتابع ويرصد هذه الفتاوى يجد أن أغلبها أو أغلب أصحابها –إلا من رحم ربي- كان يتخذ لنفسه مكاناً في سوق العرض والطلب السياسي الممزوج باتفاقيات البترودولار، والتي آتت أكلها في أحداث ما يسمى الربيع العربي(ربيع الدجال)، حتى أصبح سوق الفتاوى كما سوق الأوراق المالية يخضع لعرض والطلب وإغراق السوق، وينسحب عندما تكون مؤشرات السوق سلبية، وقد أطلقت سابقاً عليه مقالة عنونها “سوق الفتاوى في إجازة”. ولم تتغير الأوضاع اليوم كثيراً عن السابق من حيث أطماع الكيان الصهيوني ومحاولاته تدمير المسجد الأقصى الذي بارك رب العزة حوله في سورة الإسراء، إلا أن الظروف السياسية وتوقيت الاستفزاز الصهيوني هو الذي تغير، فقد كشفت انتصارات سورية وصمودها خلال السبع العجاف التي نعيش مراحلها الأخيرة زيف الساسة العرب وعبوديتهم، واعتقاد نسبة ليست بالقليلة من الشباب العربي الرافض لأحداث ما يسمى (الربيع العربي) ربيع الدجال -وفق القراءة الضمنية لاستطلاع رأي الشباب العربي الذي قامت به المؤسسات البحثية الغربية- أن أغلب رجال الدين تم التغرير بهم وتوريطهم بالمستنقعات العربية عموماً، وبالدم السوري الطاهر على وجه الخصوص، والذي ترافق مع تأجيج المسلسل الخليجي المتمثل بالصراع بين المحمية الأمريكية قطر وباقي العبيد الخليجيين، لجذب المشاهد المتحمس لخداع النخوة العربية، فكان الحدث الأخير بمثابة سرب طيور يتم إسقاطه بحجر واحد صغير إنطلاقاً من: – إلهاء باقي الشارع العربي بالحدث الفلسطيني الإسلامي، وهم الفئة التي لم تنطلي عليهم مظاهر النفاق الخليجي، إذ لا تزال هذه الفئة تمتلك بعض الثقة بنزاهة الفتاوى الدينية التي أعلنت في ظل الحرب على سورية. – إماتت النخوة العربي وإضعاف شعور المقاومين بالداخل الفلسطيني بإمكانية النصر على الكيان الصهيوني وتحرير أرضهم والدفاع عن الأقصى، فقيادة وبعض عناصر حماس الذين تورطوا في الدم السوري أصبحوا في مهب الشتات يبحثون عن مكان فقط ليستر خيبتهم المزعومة ولو كان على حدود القمر، وشباب الداخل الفلسطيني المضلل بتداولات الفتاوى الدينية في زمن الربيع العربي المزعوم وصراع الشيوخ بين الولاءات الخليجية، ينتظر المعونة والسند من ساسة وأمراء تغنوا بدعم الكرامة العربية وثورات الحرية المزعومة، وهو يتآكل ويحترق تدريجياً بعدم قدرته لمواجهة استنزاف قوته من قبل الكيان الصهيوني والتي كان أخرها تجول بعض الصهاينة العاريات في ساحة المسجد الأقصى المبارك حوله. – التسريع في بعض أعمال الإزالة والهدم من قبل الكيان الصهيوني للمعالم الأكثر رمزية لدى المسلمين الذين يترقبون صراعات الثورات المزعومة في الدول التي كانت القضية الفلسطينية من أولوياتها، ويترقبون أيضاً تناطح ساستهم من أجل الفوز بعبودية السيد الأمريكي. – إختراقات جديدة في علاقة العروبة بالإسلام وما تشكله من حامل للقضية العربية الإسلامية الأولى(فلسطين)، فدول القومية العربية لا تزال تعاني من الحرب عليها والحصار المفروض على لقمة عيشها، والدول المسماة دول الشريعة الإسلامية تنتظر بورصة العرض والطلب لتوجه شيوخ إفتائها نحو ما يخدم سلطانها ونفوذها، وأموال الخليج تدفع جزية للأمريكي ترامب أو تذهب للغرب في صورة استهلاك جنسي مشرعن بأنواع مختلفة من أنماط الزواج. والمقاومات الفلسطينية المتنوعة تدور بين فلك هذا وهذا تنتظر ما يسد حاجتها لدفع الظلم وإنهاء الإحتلال، تسعى لبسط نفوذها. لقد أثبتت هذه الأحداث أن بورصة الإفتاء التي طفت على سطح الأحداث الأخيرة التي تشهدها منطقتنا العربية، لم تكن نزيهة أبداً، رغم غاياتها غير المبررة أصلاً، إلا أنها أنتجت ثغرة جديداً قد تكون بداية جديدة لاختراقات مجددة للدين الإسلامي وعلاقة الجسد والروح التي تمثل العروبة بالإسلام. فهل ترتفع مؤشرات بورصة الفتاوى قبل انهيار همة المقاومين الفلسطينيين في توجيه وتسليع جديد للدين كما في أحداث الربيع المزعوم، أم يتدحرج بقايا فتات ما تبقى من ثروات عربية وإسلامية لهؤلاء المقاومين منعاً من فضيحة الجزية الأمريكية وغزوات الجنس والقمار في الملاهي الغربية. عشتم وعاشت سورية ولبنان وفلسطين والعراق والجزائر وموريتانيا والصومال وغيرها من بلاد العرب التي تشكل شعوبها أمة عربية واحدة.
باحث في السياسة والاقتصاد
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق