ادب

وحدنا.. نقاوم

“سنقاوم وحدنا”. هذا صدى لقولة محمود درويش “يا وحدنا”، ولكنها ليست لشاعر، ولا لزعيم سياسي، بل لمواطن مقدسي، نظر في عين الكاميرا، وأوصل هذه “الرسالة” إلى من لا يهمّه الأمر. فمن يهمّه الأمر فعلا؟ وقف الشاب المقدسي، وسط البنادق الإسرائيلية المطوِّقة، وقال، بلا مرارة، بلا دلالةٍ لكلامه، كما بدا لي، غير ما يقوله حرفياً: “نحن الذين حافظنا على عروبة القدس.. سنقاوم وحدنا”، ثم أضاف بهذه التقريرية الفجَّة: “وسننتصر وحدنا”.
ما لي أستخدم لغة الشعر في معمعان الواقع، في الاستنفار التام للدواخل والإرادات؟ ما خصَّ التقريرية والمباشرة والمجاز في واقعٍ يطلع من قاع الألم والعزلة والشعور العميق بالترك والتخلي؟ خصَّه على ما يبدو. فهذا شعرٌ أيضاً. هذا الواقع، وقد قرَّر أن يعطي رتابته ووجهه الكابي لون الكرامة والحياة التي لا معنى لها في الرمادي. فما الشعر إن لم يكن رفع العادي، والمفروغ منه وما يبدو مستنفداً، إلى مرتبة الدهشة والتساؤل والاستئناف؟ وعلى الرغم من القوة الكامنة في هذه النبرة التقريرية، غير أنها جارحة، لأنها، هذه المرة، تعكس عزلة الفلسطينيين، وعزلة القضية الفلسطينية التي لم تعد قضية العرب المركزية، ولا الفرعية. هذا واقعٌ تأكد بالملموس. يعرف المحتلون، بعد مئات الوقائع والأحداث، أن الفلسطينيين متروكون وحدهم. هذا استنتاجٌ رماه في وجوهنا برنارد لويس الذي أعلن موت العالم العربي، منذ رأى العراق يترك للحصار والموت البطيء، ثم للاحتلال العسكري، من دون أن تشكّل احتجاجات العالم العربي، مجتمعةً، ما قام به البريطانيون في “هايد بارك”.
لم يعد لدى الغرب، وإسرائيل، أدنى شك في أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية العرب المركزية. ليس لأن المواطنين العرب لا يعنيهم ما يجري في فلسطين، وليس لأن شعورهم “العربي” تبدَّد وحلَّ محله شعور “قُطري”، بل لأن هناك ألف قضية تثقل صدورهم اليوم. هناك دم وركامٌ يسدّان الأفق العربي، فالحروب الخارجية والداخلية على العالم العربي لم تترك، تقريباً، بلداً قادراً على التطلّع خارج حدوده، فإن فعل لن يكون إلى حيث بدأت كل مصائب العالم العربي، وحيث لن تنتهي مصائبه ما دامت إسرائيل، “الخندق المتقدم للإمبريالية”، تحتل فلسطين وتهيمن، حتى من دون حروب، على مصائر العالم العربي. كم يبدو هذا الكلام مكرّراً ومعلوكاً؟ ولكن ليست هناك حقيقة أخرى غيره. ليت الأمر غير ذلك، ليت الطريق أسهل وأقصر. ولكن هذا هو الواقع، بل الواقع أسوأ، اليوم، بما لا يقاس. لقد تدمَّرت البلدان العربية المركزية، أو نخرت من الداخل بآفات الطغيان والفساد والإرهاب. هذه سمة العالم العربي ما بعد انتفاضات الشباب العرب وهبوبهم صوب الحرية. أخمدت هذه الانتفاضات. أو انحرفت إلى طريق العسكرة التي لا قبل لها بمواجهة سلاح الأنظمة، فخسرت بذلك الالتفاف الشعبي الداخلي، وتعاطف الرأي العام الخارجي. فكيف يمكن اليوم الكلام عن ثورة سورية، ولا يوجد على الأرض فصيل واحد ذو مرجعية وطنية، أو مدنية؟ وكيف يمكن الكلام عن قوى مماثلة في العراق، ليبيا، اليمن، وسوى ذلك من بلدان؟ وعندما يضرب المركز (قصداً، أو بفعل عوامل موضوعية) يتصَّدر الهامش. لست مع المركز ولا ضد الهامش إلا بالمشروع. لا معنى لمركزٍ بلا مشروع، فيما يمكن لهامشٍ بمشروع أن يطرح البديل.
لكن الهامش يتصدّر، الآن، بلا قضية أو مشروع إلا البقاء الصرف. وبلا مشروع يزداد الهامش هامشيةً. فهو غير قادر على التصدّر، والاستمرار، لأنه يفتقر إلى القوام الداخلي.
وبخراب المركز العربي تعرَّى الهامش، وانكشفت هشاشته، وحتى قدرته في الدفاع عن نفسه. وها نحن نراه يتراكض للاحتماء بمن هو سبب خراب العالم العربي. فإن كان يظن أن “غياب” المركز فرصةٌ للتصدّر، والقيادة، ها هو الواقع يرينا عكس ذلك. فها هو عار تماماً أمام ابتزازات القوى الاستعمارية التي لم تعد تنهب اليوم مقدّراتنا غصباً بل تقدّم لها على طبق من الفضة، ومع فنجان قهوة عربية. فكيف لا يكون الفلسطيني بعد هذا وحده؟
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق