مالكوم و«دولة الإسلام»

  • 5 شهر قبل
  • 0

‘‘إنني لستُ أمريكيًا. أنا واحدٌ من 22 مليون أسود من ضحايا النظام الأمريكي. واحد من 22 مليون أسود من ضحايا الهيبوقراطية المتنكرة في صورة ديمقراطية. إنني لا أتحدث إليكم كأمريكي، أو كوطني، إنني أتحدّث إليكم كضحية للنظام الأمريكي، وأرى أمريكا بعين الضحية. إنني لا أرى حلمًا أمريكيًا؛ بل أرى كابوسًا أمريكيًا”.

الواحد والعشرين من فبراير 2016، 51 عامًا مرّت على مقتل مالكوم إكس، المناضل الإفريقي الأمريكي المُسلم. يُلقي أحمد شوقي، مؤلف كتاب “التحرر الأسود والاشتراكية”، الضوء على حياة مالكوم وتطوّره الفكري، في مقاله بمجله (جاكوبين).

تعرّض السود للاضطهاد والفصل العنصري في الشمال الأمريكي، وخضوعهم لنفوذ السلطة البيضاء ومضايقات الشرطة. ربّما لم يكن الفصل العنصري قانونًا في الشمال، لكنّه كان قائمًا برغم كل شيء. وربما يتوهم السود في الجنوب أن الأوضاع أفضل في “الشمال الليبرالي”، لكن هذه لم تكن الحقيقة الكاملة. وعلى الرغم من أن الشماليين استلهموا الكثير من نضال الجنوب، إلا أن أوضاعهم المختلفة مهّدت لاحتضانهم لحركة تحررية مختلفة عن تلك التي قادها مارتن لوثر كينج. أبرز الممثلين لهذه الحركة التحررية كانت جماعة “دولة الإسلام”. بحلول أواخر الخمسينيات، وصل عدد أعضاء الجماعة إلى 100 ألف، أبرزهم مالكوم إكس.
بمزيج من المباديء الإسلامية المحافظة، ومبادئها التي استحدثتها لنفسها، دعت الجماعة إلى العمل، والطاعة، والتواضع، والاستقلال الاقتصادي عن المجتمع الأمريكي. لكنّها لم تدِن الرأسمالية في حد ذاتها، فقط الرأسمالية البيضاء. صحيحٌ أن إليجا محمد قائد الجماعة دعا لتأسيس دولة سوداء منفصلة، لكن الأمر لم يتعدّ تلك المطالبة إلى حركة سياسية واضحة في سبيلها.
اجتذب مالكوم الكثير من المسلحين للانضمام للجماعة عن طريق تبيان نفاق النخبة الأمريكية البيضاء. واجهت الجماعة اتهامات بالعنصرية، لكن مالكوم لم يتحفّظ في الرد عليها.
‘‘إن ردّنا على العنصرية البيضاء بالعنف ليس عنصرية سوداء بالنسبة لي. إن أتيت لتضع حبلًا حول عنقي، فخنقتُك بحبلِك، فليست هذه عنصرية. فِعلكم عنصري، وردّ فعلي تجاهه ليس من العنصرية في شيء’’.
لم يتفّق مالكوم مع قادة حركة الحقوق المدنية، بل رآهم يحتوون الصراع بدلًا من قيادته. رفض مالكوم أي دعوة للاندماج في المجتمع الأمريكي، ولم يرَ ذلك ممكنًا، ناهيك عن أن يكون مرغوبًا فيه أصلًا. وهاجم بشدّة مبدأ التخلّي عن العنف الذي اتبّعته حركات الجنوب. بل دافع باستماتة عن حق الدفاع عن النفس.
‘‘كونوا مسالمين، دمثين. قدّموا الطاعة للقانون، والاحترام للجميع؛ لكن إن مسّكم أحدٌ بسوءٍ فادفنوه. ذلك الدينُ القيّم، دينُ الأيام الخوالي… حافظوا على حياتِكم، فهي أغلى ما عندكم. وإن اضطررتم إلى خسارتها، فنفسٌ بنفس’’.
طريقٌ جديد
بدأ الخلاف بين مالكوم وإليجا محمد حين ظهر اتجاه مالكوم إلى السياسة بينما فضّل محمد الابتعاد عنها. وقعت أحداث عنفٍ عرقية عام 1962 قُتل فيها مسلم أسود من قبل شرطة لوس أنجلوس. وفي حين سافر مالكوم إكس إلى لوس أنجلوس  بنفسه لتنظيم رد الفعل، منع إليجا تابعيه من اتخاذ أي ردود فعل. ربّما كانت اللهجة الخطابية المستخدمة من قبل دولة الإسلام متطرفة ضد البيض، لكن مع مرور الوقت وتراكم الغضب في النفس، بات التحرك مطلوبًا، وهو شيء لن يشجعه إليجا.
لم يطُل الوقت حتى انفصل مالكوم إكس عن دولة الإسلام في ديسمبر 1963، بعد إجابة مثيرة للجدل أدلى بها حول اغتيال جون إف كينيدي، حيث أعزى السبب إلى الكراهية التي خلقتها عنصرية المجتمع الأبيض نفسه. أوقفه إليجا لتسعين يومًا. كان مجرد إيقاف في صورته، لكنه في حقيقته طردٌ لمالكوم من الجماعة، أعلن عنه مالكوم لاحقًا رسميًا في الثامن من مارس، 1964. ألقى خطابًا دعا فيه إلى انخراط المسلمين السود في حركات تحرر السود المتفجرة حول البلاد، لكيلا يفاجأوا بأنهم صاروا وحيدين في ساحة الصراع.
رأى مالكوم في ذلك الوقت ضرورة فصل الدين عن السياسة، وتوحّد جميع الحركات النضالية لإزالة “قوى الشر السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مجتمعنا”.
سافر مالكوم بعدها ليلتقي بعدد من القادة الأفارقة، من بينهم جمال عبد الناصر من مصر. تأثر بفكرة “العالم الثالث” باعتبارها خيارًا بديلًا عن القوتين الرئيسيتين وقتها: أمريكا والاتحاد السوفييتي.
«OAAU»
حين عاد مالكوم إلى نيويورك، أعلن عن تشكيل اتحاد الأفارقة الأمريكان OAAU، أسوة باتحاد الأفارقة OAU الذي يضمّ رؤساء الدول الإفريقية. سعى اتحاد الأفارقة الأمريكان إلى بناء منظمات مجتمعية ومدارس، وركّز على حملات تسجيل الناخبين لضمان الكتلة التصويتية السوداء.
عاد مالكوم بأفكار عن عالمية الصراع في سبيل الحرية ضد الإمبرالية والرأسمالية، وداعمة للشيوعية.
‘‘إننا نعيش في حقبة ثورية، وانتفاضة الأمريكان الزنوج هي جزء من الثورة ضد الطغيان والاستعمارية التي تميّز هذه الحقبة. من الخطأ أن نصنّف انتفاضتنا على أنها صراع طائفي يخوضه السود ضد البيض، أو مشكلة أمريكية بالكلية. إننا نرى اليوم ثورة عالمية يقوم بها المظلومين ضد الظلمة، والمستغَلّين ضد المستغِل’’.
في ضوء فهمه الجديد للصراع، أقرّ مالكوم بأن سعيه القديم نحو الوطنية السوداء كان إقصائيًا للعديد من الثوار الحقيقيين الذي كرّسوا حيواتهم لإنهاء النظام الاستغلالي السائد في الأرض.
النهاية
كانت أفكار مالكوم السياسية تتبلور سريعًا، لكن رصاصة الموت أنهت حياته. أطلق عليه الرصاص من قبل ثلاثة مسلحين من أعضاء دولة الإسلام بمانهاتن في الواحد والعشرين من فبراير 1965. قُتل مالكوم عندما بدأ في ‘‘التفكير بنفسه’’ وفقًا لتعبيره. من الصعب التنبؤ بدور تفكير مالكوم السياسي، لكن المُتابع لكتاباته وتصريحاته لا يمكن أن يشكّك لحظة في أنه كان إصلاحي المنهج كما حاول بعض الإصلاحيين من الدرجة الثانية نسبته إليهم. كان مالكوم ثوريًا، يميل إلى الحلول الجذرية.
كان مالكوم معاديًا للنظام، عاصيًا للحركة الوطنية السوداء، مخالفًا للحزبين الرأسماليين الديمقراطي والجمهوري، عازمًا على إنهاء العنصرية، مناهضًا للاستعمارية. كان مالكوم أحد أعمدة السياسة الثورية، وهي مدينة له بالكثير.
  • facebook
  • googleplus
  • twitter
  • linkedin
  • linkedin
  • linkedin
الرجوع «
التالي »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *