أقلام أجنبية

نظام العدالة في أمريكا

بول كريج روبيرتس
في عام 1992 أدين فران ودان كيلر بجريمة اغتصاب لأطفال عمرهم 3 سنوات على الرغم من عدم وجود أي دليل وهي جريمة لم تحدث قط. ومن بين التهم السخيفة التي وجهت إليهم  نقل الأطفال إلى المكسيك لكي يتعرضوا للاغتصاب من قبل المسؤولين العسكريين. قضى الأخوان كيلر 21 عاما في السجن قبل أن يحصلا على حكم البراءة من قبل وحدة الإدعاء بسبب عدم وجود أدلة كافية وموثقة ضدهما.
وقد ابتلي العديد من الناس الذين كانوا يقدمون الرعاية للأطفال بهذا النوع من الإدعاءات السخيفة خلال عقدي الثمانينات والتسعينات. وقد تم تدمير عائلة أميرولت التي كانت تدير مركز فاليس للرعاية في مقاطعة ماساتشوستس. أما قاضي المحكمة العليا في ماساتشوستس الذي أبقى عائلة أميرولت في السجن على الرغم من أن القضية كانت مفهومة تماما فهو اليوم أستاذ للقانون بجامعة هارفارد.
و في مقاطعة ويناتشي في واشنطن، دمرت مزاعم الكنيسة المجنونة عشرات من الناس بحجة ممارسة الشعائر الجنسية الشيطانية على الأطفال. وقد كان يوجد مركز  ليتل راشالس للرعاية اليومية في ولاية كارولينا الشمالية، ومركز ماكمارتين لرعاية الطفل في ولاية كاليفورنيا، وغيرها الكثير. يذكر أن النائب العام للرئيس بيل كلينتون “جانيت رينو” قد برز اسمه في قائمة الاتهام على أساس ادعاءات كاذبة بحجة أنه كان يعتدي على الأطفال.
انتشر الجنون على نطاق أوسع. وأخبر “المعالجون النفسيون” مرضاهم من النساء الشابات اللاتي عانين من مشاكل عاطفية بأنهن تعرضن للاغتصاب من آبائهم وأجدادهم وأعمامهم وإخوانهم. و انهارت الأسر في كل مكان بسبب التهم والإدعاءات البربرية التي انتشرت في كل مكان.
وأصر “المدافعون عن الأطفال” على أن جميع الذكور كانوا مشتبه بهم كمغتصبين للأطفال. لم يكن هناك شيء مثل محاكمة حقيقية، بل مجرد إدانات مبنية على ادعاءات واستطاعت هذه المزاعم وحدها أن تدمر الناس.
وانتشرت في الولايات مفاهيم جديدة منها “اغتصاب الزوجة”. وقد سنت الدولة قوانين “اغتصاب الزوجة”، حيث أصبح بإمكان أي زوجة أن تتخلص من زوجها عن طريق اتهامه بالاغتصاب. لقد تحققت وكتبت عن قضية (Wm) والتي كان فحواها أن أحد الرجال كان على وشك أن يطلق زوجته بسبب خيانتها له، لكنها وجهت له ضربة استباقية حيث اتهمته بالإغتصاب. كان سترونغ  ضحية قانون اغتصاب الزوجة الذي سنته الحكومة. ورفض طعنه المشروط  بالحكم بشكل روتيني بسبب خطورة الجريمة الموجهة ضده.
لقد كتبت بنفسي إلى مجلس الإفراج المشروط في ولاية فرجينيا في مناسبات عديدة مشيرا إلى أنني غطيت القصة وأنني متأكد بأن كل الاتهامات التي قدمتها الزوجة هي ادعاءات كاذبة. ولكن مجلس الإفراج المشروط في ولاية فرجينيا ليس له مصلحة في قبول أي دليل إذ أن الغرض من وجوده هو حماية النظام وليس قبول الأخطاء.
كتبت عن العديد من حالات رعاية الطفل. ومنها قضية ويناتشي والتي استطعت فيها أن أتقصى الحقائق التي ساعدت مارشال على تغيير الحكم. وخلال العملية برمتها تعرضت لهجوم من قبل صحيفة محلية ومحطة إذاعية لم تكن مهتمة بأي حقائق فقد كانوا يعرفون أن الكنيسة مذنبة.
وببساطة لم تكن الأدلة مهمة. فقد انتشرت هستيريا “المدافعين عن الأطفال ” بين المحلفون والصحف والتقارير التلفزيونية واستحوذت على العقول.
أما  في قضية حاكم ولاية ألاباما “دون سيجلمان”.فقد تم اتهامه من قبل المحامين الجمهوريين في الولايات المتحدة والقضاة الاتحاديين الجمهوريين. وتحولت من مساهمة سياسية يومية عادية إلى قضية للمتاجرة، وتدخل في هذه القضية حوالي 113 مدع من المدعين العامين السابقين في الولايات المتحدة برئاسة النائب العام في نيويورك “روبرت ابرامز”، الذي وصف سيجلمان بأنه “فضيحة هائلة”، ولم يتمكن أحد من منع إرسال الحاكم سيجلمان إلى السجن من قبل الجمهوريين الفاسدين.
هذا وقد اعتقل القاضى الفيدرالى الجمهوري الذي ترأس هذه الجريمة بعد ذلك بسبب ضربه المدمي لزوجته  في فندق أتلانتا وتم إطلاق سراحه فيما بعد.
فقط  في أمريكا الأبرياء هم من يذهبون إلى السجن.
الأميركيون لا يعون بأنهم يخدعون من قبل “المحافظين في القانون والنظام” و أن القضاة الليبراليين دائما يسمحون للمجرمين بالخروج وأن أي من المجرمين الذين يتم إرسالهم  بطريقة ما إلى السجن يتم إنقاذهم من السجن عن طريق لوحات الإفراج المشروط الليبرالية على الرغم من محاولات قضاة الاستئناف.
وحقيقة الأمر هي أن 3 % فقط من قضايا الجنايات تذهب إلى المحاكمة، وفي هذه الحالات يمكن للمدعين العامين تقديم رشوة ودفع شهود لشهادة زور ضد المتهمين وحجب الأدلة التي من شأنها أن تزيل التهم الموجهة إلى المدعى عليه وتبرؤه. وبعبارة أخرى، يتم دائما الحصول على الإدانة بغض النظر عن الأدلة.
وفي 97٪ من الحالات الأخرى، يتفاوض محام المدعى عليه مع المدعي العام في تهمة وهمية يسلم المتهم بها مذنبا مقابل إسقاط التهمة الأكثر خطورة والتي ألقي القبض على المتهم بموجبها. ويعرف المحامي أنه من غير المرجح أن يدافع المتهم عن التهمة الزائفة حتى وإن كان المتهم سيقضي عقوبة أطول بذهابه إلى المحاكمة وسيوافق بالتأكيد على تهمة أقل في صفقة الاستئناف. وهذا الأمر يصب في مصلحة كل من المدعي العام والقاضي أيضا، لأنه يقلص فترة المحاكمة أياما وأسابيع أحيانا ، مما يجعل عبء القاضي  أخف وزنا ويسمح للمدعي العام بإدانات كثيرة أخرى لتزيين سجله. ويمكن لأسبوع من الصفقات التفاوضية أن تصدر عدة إدانات  تتناول قضية واحدة في أسبوع واحد. وكلما قل عدد القضايا التي يتوجب على القاضي أن يدرسها كان ذلك أفضل بالنسبة للقاضي.
وبما أن 3٪ فقط من القضايا تذهب إلى المحاكمة، نادرا ما يتم اختبار أدلة الشرطة. والشرطة تعرف ذلك حق المعرفة وهي مستفيدة من الأمر أيضا إذ إنه من الأسهل بالنسبة لرجال الشرطة أن يلقوا القبض على شخص بتهم وجرائم قديمة لأن ذلك يوفر عليهم عناء التحقيق لحل جريمة جديدة. في الواقع، فإن الشرطة الآن تعرف الأحياء والأزقة بشكل أفضل من ذي قبل حيث كان عليها أن تدق الأبواب لتعرف السكان وتميزهم ، وبالتالي فمن الأسهل بكثير بالنسبة لرجال الشرطة أن يلقوا القبض على شخص لديه سجل إجرامي سابق واتهامه بالجرائم التي تحدث .وتفسر هذه الممارسة معدلات الانتكاس المرتفعة والجرائم العشوائية التي تتكرر بكثرة فبمجرد أن تدان مرة فإنك ستدان مرة أخرى بالتأكيد.
دون سيجلمان ربما كان أفضل حاكم لألاباما. كان عليه أن يكون جيدا من أجل أن ينتخب ديمقراطيا في دولة جمهورية. والحقيقة أن الرئيس أوباما، الذي كان يحظى بدعم 113 وكيل من وكلاء النيابة ، لم يرفع إصبعه أبدا لإعادة  النظر بقضية سيجلمان من قبل وزارة العدل ولم  يستخدم قلمه للتوقيع على عفو وذلك من أجل أن يثبت أن المواطن العادي ليس لديه فرصة على الإطلاق. فعندما يوضع حاكم بارز في إطار الاتهام ولا يتدخل أحد لأجله فإنه بالطبع لا فرصة للتدخل من أجل أي شخص من العامة عندما يتم القبض عليه.
في “نظام العدالة الجنائية الأمريكية” العدالة غائبة تماما. ليس هناك ما يعرف  بالعدالة في أمريكا.
وتجريم المواطنين الأمريكيين من قبل نظام الظلم هو الآن واحدة من أكبر الصناعات في أمريكا. وقد تم خصخصة السجون، ويعتبر السجناء عمالة رخيصة بالمقارنة مع شركات صناعة الكمبيوتر وصناعات الدفاع وغيرها الكثير. فالولايات المتحدة الأمريكية ليس لديها أعلى نسبة من السجناء فحسب، بل لديها أعلى عدد مطلق، وهي أعلى بكثير من “الصين الاستبدادية”، وهي دولة يبلغ عدد سكانها أربع مرات أكبر من الولايات المتحدة ولكن بعدد سجناء قليل جدا.
يجب أن يعلم  الأميركيون ما يحدث. إلا أن أدمغتهم تغسل لتعمى عن رؤية الحقيقة. إذ أن الأغبياء سيسارعون للدفاع عن الشرطة، و سينهالون بالثناء  على المدعين العامين بسبب قناعاتهم غير المشروعة. في أمريكا أن تكون متهما هذا يعني أنك مذنب. وحتى الرئيس ترامب ليس آمنا من توجيه الإدعاءات والإتهامات الكاذبة ضده.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق