أميلكار كابرال .. مثقفاً ثورياً

  • 5 شهر قبل
  • 0
ديمبا موسى ديمبل*
ترجمة : مجدي عبد الهـادي
“إننا لا نساوي شيئاً إن لم نكن في مقدمة المدافعين عن العبيد، والشعوب، والعدالة والحرية” فرانز فانون
مثل فرانز فانون، كان أميلكار كابرال “مدافعاً عن العبيد” من أجل تحرير شعبه وشعوب أفريقيا من نير الظلم والهيمنة الاستعمارية. ومثل فانون ضحى بحياته دفاعاً عن هذه القضية المقدسة والخالدة. ويمثل 20 يناير/كانون الثاني 2013 م الذكرى الأربعينية لاغتيال أميلكار كابرال، مؤسس وزعيم الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا وجزر الرأس الأخضر (PAIGC). وفي بلده وفي جميع أنحاء العالم، نُظم العديد من فعاليات التكريم لذكرى هذا القائد الكايرزماتي الملهم، والبطل الأفريقانوي المخلص والمثقف الثوري.
مولد الوعي الثوري:
ولد كابرال وقضى سنواته مراهقته في بلد مُستعمر، حيث شهد بنفسه العنصرية والإهانات اليومية والانتهاكات المروعة ضد مواطنيه من قبل الحكومة البرتغالية الاستعمارية. وكانت هذه الإهانات والأوضاع المعيشية البائسة لمعظم السكان، خصوصاً الفلاحين، من العوامل الرئيسية في تشكيل وعيه. وفيما بين عاميّ 1941 و 1948 حدثت سلسلة من المجاعات سببّت وفاة عشرات الآلاف من الفلاحين. ويبدو أن هذه المآسي لعبت دوراً حاسماً في اختيار كابرال للدراسة في جامعة العلوم الزراعية. ولاحقاً، ذهب إلى لشبونة، المدينة العاصمة للقوة الاستعمارية السابقة؛ ليواصل تعليمه الجامعي. وقد ساهم ذلك في تعزيز وعيه الثوري. وفي هذه المدينة البرتغالية، قابل هؤلاء الذين سيصبحون لاحقاً قادة حركات التحرر في المستعمرات البرتغالية الأخرى، منهم أغوستينو نيتو من أنغولا، وإدواردو موندلان من موزمبيق.
وخلال فترة إقامته في لشبونة وحتى عودته لبلد، تأثر كابرال بأصداء الحركات التحررية للشعوب المستعمرة وبالأفكار التقدمية والنضالات الثورية مثل الوحدة الأفريقية والماركسية. ومنذ عام 1945 م والمؤتمر الأفريقي لوحدة أفريقيا وإيديولوجية الوحدة الأفريقية تكتسب تدريجياً شعبية بين المثقفين القوميين والتقدميين الأفارقة، وكذلك بين مثقفي الشتات.
وكان استقلال غانا عام 1957، تحت قيادة الرئيس كوامي نكروما، أحد الرموز الرائدة للوحدة الأفريقية، هو ما أعطى كابرال والقادة الآخرين لحركات التحرر الوطنية في أفريقيا مزيداً من الدفع باتجاه تلك العقيدة . ويضاف إلى ذلك ، أن نكروما والقادة الأساسيين لحركة الوحدة الأفريقية كانوا ماركسيين مستقلين. ومن بينهم، كان المثقف البارز ويليام دوبوا المفكر الأفريقي-الأمريكي الأعظم في زمنه، والمفكر والكاتب الثوري ترينيداديان جيمس. وجيمس معروف بأنه مؤلف كتاب “اليعاقبة السود” (1938)، بأسلوبه البليغ والشعري، والذي حلل فيه الأهمية التاريخية للثورة الهاييتية التي قادها توسان لوفرتو وجان جاك ديسالين.
وكان لتأثير هؤلاء الرموز لحركة الوحدة الأفريقية ولدعم البلدان الاشتراكية لحركات تحرر الشعوب المُستعمرة دوراً في دفع كابرال لتبني الماركسية بطبيعة الحال، كما هو حال كثير من المثقفين التقدميين في البلدان المُستعمرة ممن كانوا ماركسيين أو متعاطفين مع الماركسية. كما تأثر كابرال بأدب مكافحة الاستعمار. وعلى هذا النحو ، فليس هناك شك أن كابرال قد سمع بأميه سيزر، الشخصية الأبرز والمثقف المتحمس لحركة “الزنوجة”، ومؤلف الكتاب الأكثر تدميراً للاستعمار المُعنون “أطروحة في الاستعمار” (1950). وقد ساهم كلُ من الكتابين، هذا الكتاب مع كتاب فرانز فانون “المعذبون في الأرض” (1961) في فضح الطبيعة اللا أخلاقية واللا إنسانية والوحشية والاستبدادية للنظام الاستعماري؛ وبالتالي بددت ما كان يُسمى بـ “المهمة الحضارية” للاستعمار، التي كانت قد أثرت بشكل عميق على فكر وممارسة المثقفين المعادين للاستعمار مثل كابرال.
تأسيس الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا وبداية الكفاح المسلح:
بعد دراسته في لشبونة، عاد كابرال إلى بيساو عام 1952 م حيث عمل لبعض الوقت، قبل أن يذهب إلى أنجولا عام 1955 م. وذكر أنه هناك استأنف الاتصال مع الوطنيين الأنجوليين وشارك في تأسيس الحركة الشعبية لتحرير أنجولا MPLA. وعندما عاد إلى غينيا قام بتأسيس الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا، والذي قرر الاستفادة من المناطق الحضرية كبؤر لنشر وقيادة القتال ضد الاستعمار.
لكن في عام 1959 م، قامت الحكومة الاستعمارية البرتغالية بقمع إضراب عمالي بشكل دموي، بما أدى لمقتل حوالي 50 وإصابة 300 آخرين. وكان لذلك القمع الدموي نتيجتان رئيسيتان بالنسبة لكابرال ورفاقه. الأولى، هى ضرورة الانتقام من القمع الاستعماري الفظيع، فأصبح المقاتلون من أجل الحرية مضطرون لاستخدام العنف. أما الثانية، فهى أن كابرال كان مجبراً على تغيير إستراتيجية الحزب نحو إعطاء أولوية للتعبئة الواسعة للكتل الفلاحية في الأرياف.
وقد دعم كابرال في جداله بشأن ضرورة العنف كطريق لتحرير بلاده، ما قدمته الحرب الجزائرية ضد القوة الاستعمارية الفرنسية من برهان، كذا انتصار الشعب الفيتنامي لاحقاً. فعزز هذين المثالين وغيرهما من تفاؤله بإمكانية الإطاحة بالاستعمار البرتغالي من خلال الكفاح المسلح. واندلع الكفاح المسلح في 1963 م وسريعاً ما حقق نجاحات عسكرية ودبلوماسية كبيرة. ولحشد التأييد الدولي للقتال وعزل الاستعمار البرتغالي، قام كابرال بعدة زيارات لأنحاء مختلفة من العالم. وخلال هذه الزيارات ألقى معظم خطاباته، التي كانت بمثابة المدخلات النظرية والسياسية لتحليل القضايا المتعلقة بالنضال لأجل التحرر الوطني.
تراث كابرال النظري:
في سلسلة من الخطب، لخص كابرال معالم فكره السياسي، كذا ذكر مواقفه من الجدالات الإيديولوجية العظمى لزمنه . منها موضوعات : الإستراتيجية الثورية والهيمنة الإمبريالية ونظرية التاريخ والقوة المحركة له ودور البرجوازية الصغيرة في النضال التحرري وأهمية الثقافة سواء كأداة هيمنة أو كسلاح للمقاومة. وتتضمن عناوينه الرئيسية خطابه الشهير في هافانا بكوبا عام 1966م في لقاء القارات الثلاثة أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، كذا تقريظه للرئيس كوامي نكروما وتحيته لإدواردو موندلان في زيارة للولايات المتحدة. وقد جمعت هذه النصوص وغيرها تحت إشراف ماريو أندراد، ونُشرت تحت عنوان “سلاح النظرية” بواسطة ماسبيرو في باريس عام 1975 م.
لقد علّق كابرال أهمية كبيرة على المكون النظري في النضال التحرري ؛ لأنه اعتبره سلاحاً فعالاً في القتال ضد العدو. فكتلميذ مخلص للينين الذي قال “لا توجد حركة ثورية دون نظرية ثورية”، أعلن كابرال أن “رغم أننا نعترف أن ثورة لديها خلفية نظرية كاملة قد تفشل ، إلا أنه لا أحد قاد حتى الآن ثورة ناجحة دون نظرية ثورية”. ولذلك، فبنظره، الحركة الثورية الحقيقية لابد أن تكون مدعومة بنظرية ثورية راسخة، وإلا فإنها محكوم عليها بالفشل.
لكن كابرال كان أبعد ما يكون عن الدوغمائية، فكان منظراً أصيلاً معتمداً على ذاته. وكانت قناعته أن “الثورات غير قابلة للتصدير” رغم تشابه الأوضاع التي تواجه الشعوب، ورغم حقيقة أن العدو واحد: الاستعمار. فكل ثورة تعتمد على السياق التاريخي والسياسي والاجتماعي والثقافي للبلد الذي حدثت به. ولذلك فالنظريات، حتى وإن كانت لها نفس الأرضية الإيديولوجية، يجب أن تعتمد على سياق كل بلد وسياق كل مجتمع.
وبالإضافة لما سبق، يرى كابرال أنه من الضروري ألا يغيب عن بالنا ضرورة دمج النظرية بالممارسة، بالطريقة التي تضمن ضبط الممارسة بالنظرية، وتأكيد أو مناقضة النظرية بالممارسة. ومثل فرانز فانون ، كان كابرال يدرك أهمية الثقافة في إستراتيجية الهيمنة الاستعمارية. وفي خطابه في ذكرى إدواردو موندلان في جامعة سيراكيوز في نيويورك، المُعنون “الثقافة والتحرر الوطني”، يؤكد كابرال أن “التاريخ يعلّمنا أن السيطرة الأجنبية على شعب ما لا يمكن أن تبقى على قيد الحياة إلا إذا قامت القوة المسيطرة بشكل بمنظم بإطفاء ثقافة الشعب الخاضع ، وفرض ثقافتها وقيمها الخاصة”. وفي الواقع “يعلمنا التاريخ أنه في ظروف معينة، من السهل على الغرباء أن يفرضوا هيمنتهم ….، لكن التاريخ أيضاً يعلمنا أنها لا يمكن صيانتها سوى من خلال مراقبة ورصد مستمرين ومنظمين للحياة الثقافية للشعب الخاضع”.
ومع ذلك ، فيمكن أن تُستخدم الثقافة أيضاً كسلاح للمقاومة في عملية النضال لإنهاء الهيمنة. وهذا هو سبب إعطاء كابرال أهمية حاسمة للثقافة في الإستراتيجية الشاملة لحركة التحرر الوطني. ولا يكون هذا سوى باستدعاء الشعب المُستعمر لثقافته الخاصة، بحيث يستطيع مقاومة اغترابه وتحديات القيم الأجنبية المفروضة عليه؛ ومن ثم الوقوف بشكل أفضل في مواجهة الهيمنة الأجنبية.
تراث كابرال السياسي:
من وجهة النظر السياسية، قدم كابرال مساهمات باقية في مسائل القيادة وبناء الحركة الثورية وحل التناقضات داخل القيادة ومسائل أخرى عديدة تتعلق بالنضال لأجل التحرر الوطني . وواحدة من موروثات كابرال السياسية الرئيسية هى دعوته للمثقفين الثوريين للنزعة “الانتحارية”. “فيجب أن تكون البرجوازية الصغيرة الثورية قادرة على الانتحار كطبقة كي تحيا كفئة من العمال الثوريين، المرتبطين كلياً بالتطلعات العميقة للشعب الذي تنتمي له”. فهذا هو الطريق للأمام: التزام “الانتحار” للتخلص من الميول البرجوازية التي تهدد باستمرار البرجوازية الصغيرة، والتي تقودها تدريجياً لخيانة ومصادرة الثورة بمجرد نجاحها. وهذه الدعوة لـ “الانتحار” المُوجهة للبرجوازية الصغيرة تمثل جانباً هاماً من فكر كابرال السياسي. فبالنسبة له “الانتحار” هو شرط مُسبق لاندماج القيادة بالجماهير، ولقدرة الأخيرة على تحقيق الأسس الجوهرية لتوجيه الحركة التحررية . لكن كابرال لم يكن مجرد منظر عن “انتحار” البرجوازية الصغيرة. فهو مثل إدواردو ماندولان الذي كان معجباً به بشدة، كان قادراً على “قتل” نفسه كي يتبني بشكل كامل رؤى وتطلعات الجماهير. وقد سعى لتحويل نفسه ليصبح بمحاذاة الطبقة العاملة وجماهير الفلاحين ولينزل لمستوى الطبقات الدنيا. وهذا ما يفسر، من بين أشياء أخرى، الاحترام الهائل الذي حازه في الداخل والخارج على السواء والنجاح الذي حققه النضال التحرري في أقل من عقد، بما مكنه من تحرير ثلاثة أرباع البلد، رغم ضراوة القمع الذي مارسه الاستعمار البرتغالي.
للآسف!! المثقفين من وزن كابرال نادرون كالأحجار الكريمة . وهذا هو سبب أن الدعوة لـ “انتحار” المثقفين الأفارقة قد لقت بعض الصدى كما تشير خبرة أكثر من 50 سنة منذ “الاستقلال”. وتبين الفوضى السياسية التي حدثت ولازالت قائمة في غينيا بيساو أن دعوة كابرال لم يتم الاستماع إليها من كثير من رفاقه وورثته. فماذا عن سلوك العديد ممن يُسمون مثقفين “ثوار” ممن أصبحوا فجأة في السلطة، فأداروا ظهورهم للشعب وأصبحوا منفذين مطيعين للسياسات التي تمليها المؤسسات المالية الدولية وشركائها الغربيين؟
الحقيقة أنه في كثير من الحالات، كثيرين ممن أصبحوا فجأة في السلطة، غالباً ما انقلب دورهم نحو الحفاظ على الوضع القائم وتحول حكمهم إلى معركة لأجل الامتيازات وسباقات الفئران على حساب النضال لأجل إنهاء استعمار العقول وإجراء التحولات في الهياكل الاقتصادية والاجتماعية الموروثة عن الاستعمار.
خاتمة:
بعد أربعين عاماً من اغتياله، نجد أن كابرال الفكر والمثل قد أصبح أكثر أهمية أكثر من أي وقت مضى. فموته السابق لأوانه حرم الحركة الثورية الأفريقية من واحد من أبرز منظريها وأكثرهم أصالة. فكابرال كان قائداً قريباً من الجماهير. كما تشرّب بعمق القيم الأساسية لشعبه. كما كان من المؤمنين بالوحدة الأفريقية المخلصين أصحاب الرؤى.
وهو يرمز لنوع من القيادة تفتقدها أفريقيا بشدة في لحظة يميزها تزايد التهديدات الاستعمارية الجديدة للقارة. وفي الواقع، تبرز الأحداث الأخيرة في مالي وليبيا وكودي فوار عام 2011م عجز وضعف رؤية قادة القارة، اللذين لا يتجاوز بعضهم كونهم مجرد أذناب رخيصة في خدمة القوى الاستعمارية. وهكذا، ففي هذا الوقت من خيبة الأمل العميقة مع “الاستقلال”، ومع الدور السياسي الأفريقي لـ “نخبة” المثقفين، فمن الضروري تذكّر أن القارة قد أنجبت مفكراً عظيماً وزعيماً ثورياً بقامة أميلكار كابرال. فهذا المفكر الثوري البارز يستحق أن يُعرف ويُحتفى به من قبل كل الوطنيين الأفارقة الحقيقيين. فالمنظمات السياسية والحركات الاجتماعية الأفريقية تقاتل لأجل صعود جديد لأفريقيا مستقلة وذات سيادة وموحدة وديموقراطية ومزدهرة ومرفوعة الرأس، وهو ما يفرض ضرورة استعادة فكر وعمل كابرال وغيره من أبطال وشهداء الثورة الأفريقية. فأعمالهم وحيواتهم يجب أن تُدرس في المدارس والجامعات الأفريقية. فهذا شرط ضروري سيسهم تحديداً في إزالة القيود الذهنية، كما سيساعدنا على استعادة تاريخنا الخاص.
ملحوظة: نُشر المقال الأصلي بالعددين الأول والثاني من دورية كوديسيريا الإنجليزية لسنة 2013 م، وصدرت ترجمته العربية ضمن العدد (63) لسنة 2013 م من الإصدار العربي للدورية، التي تصدر بالتعاون بين المجلس الأفريقي لتنمية البحوث الاجتماعية بداكار ومركز البحوث العربية والأفريقية بالقاهرة.
*جامعة شيخ أنتا ديوب – داكار، السنغال
  • facebook
  • googleplus
  • twitter
  • linkedin
  • linkedin
  • linkedin
الرجوع «
التالي »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *