أقلام عربية

الانتحار والموت من العمل.. حقائق لا تعرفها عن شعب اليابان 2

الـ«هاراكيري» و«أوكيجاهارا».. وأشياء أخرى
على نفس الخطى التي اتبعها الوزير المُنتحر «توشيكاتسو ماتسوكا»، يسير العديد من رؤساء ومديري الشركات في اليابان، فمع أول فشل يقابلهم في إدارة الشركة، يختارون الانتحار بابًا للخروج، الأمر الذي قام بتصعيد الأزمة الاقتصادية التي تهدد اليابان، فمنذ عام 1998 وحتى عام 2014 أكَّدت الإحصائيات أن عدد حالات الانتحار سنويًّا يصل إلى أكثر من 22 ألف مواطن ياباني، وبالعام الماضي أشارت الإحصائيات إلى أن ما يقرب من 70 مواطنًا ينتحر يوميًّا في اليابان، بمعدل 3 حالات انتحار كل ساعة.
قد تبدو هذه الأرقام مبالغًا فيها من وجهة نظرك، ولكنَّك ستدرك السبب حين تتعرف إلى ثقافة الـ«هاراكيري» أو «قطع البطن»، والتي توارثها اليابانيون عن أجدادهم محاربي الساموراي القدماء، فعلى عكس الديانات السماوية التي تحرم قتل النفس، فثقافة الساموراي لا تجرم هذا الفعل، بل وتمجده؛ كوسيلة من وسائل تحمل المسؤولية، وتلك الخطوة كان يقدم عليها محارب الساموراي القديم حين يفشل في إتمام المهام الموكلة إليه، فيقوم بشقّ بطنِهِ أفقيًّا ثم رأسيًّا؛ حتى يموت متأثرًا بجراحه، أو يقوم أحدهم بشق رقبته من باب رحمة الموت السريع.
امتدت هذه الثقافة القديمة حتى وصلت إلى الجنود العسكريين، وبدأت في التراجع عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولكن هذا التراجع كان يخص سبب الانتحار، وليس عادة الانتحار في حد ذاتها، فوفقًا لإدارة الخط الساخن لمكافحة الانتحار: فإنّ المتصلين يرجعون رغبتهم في الانتحار لأسبابٍ اقتصادية أو صحيَّة، وفي بعض الأحيان عائلية.
سنجد أن تلك الثقافة التي رسَّخها قدماء الساموراي؛ رغبةً منهم في تعبير الشخص عن التحمل المبالغ فيه للمسئولية، قد قام اليابانيون، مع مرور الزمن، بتحويلها إلى وسيلة للهروب من المسئولية.
الـ«هاراكيري» وسيلة للانتحار لم تنقرض تمامًا، ففي نهاية شهر فبراير (شباط) قام رجل ياباني بقطع بطنه في أحد مراكز الشرطة؛ اعتراضًا منه على المشاكل التي يواجهها المواطنون في اليابان، ولكن تلك الطريقة في الموت ليس لها الأغلبية الآن بين مواطنين اليابان، فقد لجأ الكثير من الناس إلى الانتحار شنقًا مثل الوزير توشيكاتسو ماتسوكا، وأصبح للشنق مكانة أخرى لدى الياباني، مع بداية الاهتمام بـ «أوكيجاهارا».
أوكيجاهارا هي غابة في اليابان، وتعني بحر الأشجار، وتعتبر أكبر وجهة للمنتحرين هناك، وبدأ هذا الأمر في عام 1960 بعد أن قام أحد أبطال الروايات اليابانية بقتل نفسه في نهاية أحداث الرواية في تلك الغابة، ليتحول الانتحار في غابة أوكيجاهارا إلى طقس متعارف عليه لدى اليابانيين.
بينما فقدت طريقة الـ«هاراكيري» أبعادها الفلسفية مع انتحار الكاتب والروائي «يوكيو ميشيما»، والذي رشح أكثر من مرة لجائزة نوبل في الآداب. إذ قام بشق بطنه عام 1970 بنفس طريقة الساموراي القديمة اعتراضًا منه على طغيان الثقافة الغربية على اليابانيين، فبعد تلك الواقعة، لم يكن هناك استخدام فلسفي يذكر للـ«هاراكيري».
يتبع
خطر السكاني.. لماذا ينتحر 70 يابانيًّا يوميًّا؟
هذا العدد الكبير من حالات الانتحار في اليابان؛ يهدد التعداد السكاني، ويضع اليابان تحت ضغط اقتصادي، فقد تكبد الاقتصاد خسارةً تزيد على 30 مليار دولار لهذا السبب، خاصة وأنّ النسبة الأكبر من المنتحرين، رجال تتراوح أعمارهم بين الـ20 والـ40 عامًا، فالذي رفض الاستسلام منهم، ولم ينتحر تحت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يتعرض لها، فإن الـ«كاروشي» تكفلت به. والكاروشي هي كلمة يابانية تعني «الموت الناتج من الإفراط في العمل»، إذ يموت الموظف فجأة بالأزمة القلبية من شدة الإرهاق بالعمل.
الضغوط التي يقعُ تحت وطأتها المواطن الياباني منذ أن يبدأ دراسته؛ كفيلة بأن تحوِّل حياته إلى السعي في دائرة مفرغة حتى يسقط ميتًا، ويكفينا ذكر أن امتحان القبول في الجامعات اليابانية شديد الصعوبة لدرجة تسميته بـ «امتحان الجحيم»، وإن لم ينجح الطالب في المرور من هذا الجحيم سالمًا متفوقًا، ستنتظره سنة كاملة من المذاكرة للتقدم لامتحان القبول مرة أخرى.
وإن نجح فيه، ونجا من سنوات الدراسة التي لا تقل صعوبة عن امتحانات القبول، فهناك جحيمٌ آخر ينتظره، وهو عدد ساعات العمل غير الآدميَّة في مؤسسات اليابان، و التي يتخلَّلها فترات راحة قليلة جدًّا، وعلى الرغم من أن الحكومة اليابانية من حقها معاقبة مدير الشركة الذي يستغل موظفيه بالعمل ساعات إضافية دون أجر إضافي، إلا أن صعوبة الحصول على وظيفة مرموقة اجتماعيًّا، تجعل الكثير من الموظفين يخشون الطرد من العمل إذا قاموا بالشكوى؛ مما يضعهم تحت ضغط عصبي شديد.
وإذا فشل المواطن الياباني في إيجاد مكان وسط هذا السباق غير الآدمي في عالم العمل، فهو معرَّض للإصابة بالـ«هيكيكوموري»، وهي ظاهرة منتشرة بشكلٍ كبير في اليابان الآن، وأصابت أكثر من مليون ياباني، إذ يلجأ الشخص المصاب بهذه الظاهرة إلى الاعتكاف في منزله، والانعزال عن العالم لمدة طويلة قد تصل لـ6 أشهر، مكتفيًا بالألعاب الإلكترونية ومشاهدة أفلام الـ«أنيمي». والخطير في هذه الظاهرة أن معظم المصابين بها من فئة الشباب الذكور، الأمر الذي يجعلهم ممتنعين عن التواصل العاطفي مع النساء والزواج بهن، والذي يهدد بدوره النمو السكاني في اليابان.
أميرة الدسوقي
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق