ادب

التـبـراع واللانــدي.. ادب امرأتـين

تختلف الشعوب باختلاف ثقافاتها وتتعدّد وسائل التعبير بتعدّد الأفكار واللّغات ويتميّز كل مجتمع بأسلوبه في البوْح وطريقته في التعبير. كنتُ إلى وقت قريب أعُدّ أدب “التبراع” ميزة تميّزت بها المرأة الموريتانية عن غيرها من نساء العالمين، إذ يعتبر هذا الأدب في المجتمع الموريتاني خاصا بالمرأة، تعبّر من خلاله عن ما يشغل بالها وما تحسّه من عواطف.
بيدَ أني قبل برهة اطلعت على كتاب للدكتور “سعيد بهو الدين مجروح”، كان هذا الكتاب يتحدّث عن أدب “اللانداي” وترجمه الشاعر الفرنسي “اندريه فيلتير” إلى اللغة الفرنسية، ليترجمه بعد ذلك “جميل صلاح” إلى اللغة العربية. جمع المؤلف في كتابه نماذج من شِعر اللانداي ولفتني ذلك التشابه الكبير بينه وبين التبراع وكونهما حكراً على المرأة دون الرجل.
من أوجه التشابه البارزة بين الأدبين التبراع واللاندي هي الدقة في الوصف والاختصار، حيث لا يتجاوز طول النص الواحد من اللانداي والتبراع عدة كلمات تبثُّ فيها المرأة ما يشغلها باختصار شديد.
أدب المرأة البشتونية:
تبدع نساء البشتون أدب اللانداي على شكل مقطوعات صغيرة تتكون من شطرين من الشعر الحر، يتكون الشطر الأول من تسعة مقاطع والثاني من ثلاثة عشر، دون التقيّد بقافية محددّة ودون الالتزام بروي معيّن. الملفتُ في هذا الشعر وما يميّزه عن أي أدب آخر هو كونه على الغالب يجمع بين غرضي الغزل والهجاء، وهما نقيضان لا يجتمعان عادة.
ولكن المرأة البشتونية بحكم ما تتعرض له من عنف داخل بيتها أصبحت تمقُت كل من يمُت لها بصلة من الرجال، فهي تتعرض للضرب من طرف جميع أفراد الأسرة الذكور، حتى من طرف أبنائها، وذلك بمباركة الزوج كما ذكر سعيد بهو الدين في كتابه.
لذلك نجد لغة اللانداي مليئة بالألم والغضب والجرأة، وكأن المرأة تريد من خلال هذا البوْح السافر أن تنتقم من زوجها الذي لا تصفه في شعرها إلا بـ “البشع الدميم”.
أما النصف المخصص للغزل من هذا الأدب فيكون من نصيب “الحبيب” سواءً كان ذلك الحبيب واقعيا أو متخيلا. تقول إحداهن:
تعال يا حبيبي، بسرعة تعال قربي
“البشع الدميم” نائم وبإمكانك عناقي
وتقول أخرى معبّرة عن حجم الألم الذي ترفل فيه منذ الأزل:
كُن سعيداً يا حبيبي، سأتكفّل بالأحزان
قلبي المعتاد على الكآبة لن يتصدّع
الرجل كان يقول التبراع في فترة من الفترات، ولكنه مع تطوّر الشعر الشعبي في موريتانيا وتعدّد أوزانه وأساليبه بدأ يتخلى عن التبراع لصالح المرأة.
أدب المرأة الموريتانية:
التبْراع: جمع تبريعة وتبريعة، وهو نمط أدبي تنتجه المرأة في موريتانيا وفي مجتمع “البيظان” عموما. تتكوّن التبريعة من شطرين ويسمّى كل شطر “تافلويت”، الشطر الأول يتكوّن من خمسة متحركين والثاني من ثمانية. وعلى عكس شعر اللانداي فإن التبراع يتقيّد بروي وقافية بين الشطر الأول والثاني مما يخلّف رنة موسيقية عذبة في أذن المستمع.
كما تقطر لغة التبراع عاطفة وتفوح منها رائحة الصدق والحب والوفاء، وفي ذات الوقت تكون بعيدة عن التصريح المبتذل والبوح السافر، ويعتبر غرض الغزل موضوع التبراع الأول، ولا مكان فيه للهجاء لأن المرأة الموريتانية هي السيّدة في بيتها ولا تتعرّض للعنف من طرف الرجل كما هو الحال في مجتمع البشتون.
غالبا ما تكون الصورة التي يتضمّنها هذا النمط الأدبي في غاية الدقّة والجمال، غير بديهيّة ولا قريبة المأخذْ، لأن السر في جمال التبريعة هو قدرة المرأة على اختصار ما يجيش في خَلَدها من مشاعر في شطرين من الشعر لا يتجاوزان في الغالب خمس كلمات، وذلك غاية الحكمة ومنتهى الجمال، لأن الاختصار أولى من الإسهاب في ما لا تعبر عنه الكلمات.
تقول إحدى السيدات معبرة عن جمال ابتسامة “أحدهم” بقولها إن هذه الابتسامة قادرة -من فرط جمالها- على أن تبعث الروح في العظام وهي رميم.
عندُ تبسيمة * تحيِي العظام الرميمة
وتقول أخرى معاتبة الصدفة التي جمعتها بـ “أحدهم” فأعادتها سيرتها الأولى بعد ما توهّمت أنها نسيّت حبه ولم تعد تشتاق إليه.
مري يالصدفة * رديتيني عمان اكفَ
بين آداب الشعوب وثقافاتها يوجد أنماط أدبية ليست بعيدة عن التبراع واللانداي منها أدب “العروبيات” الذي تبدعه المرأة المغربية في مدينة فاس، وأغاني المطربات اليابانيات الذي يعرف “بالكايشات” و”الهجيني النسوي”.
أوجه التشابه بين الأدبين:
لئِن اختلف الأدبان في المضامين وفي التصريح السافر في اللاندي والتلميح المؤدب في التبراع، فإن أوجه التشابه بينهما كثيرة، منها كونهما حكراً على المرأة دون الرجل، فالرجل البشتوني لا يحبّذ التصريح بما يحسّه من عواطف، ويعتبر البوح بالمشاعر والحب نقيضا لهيبة الرجلِ، والرجلُ الموريتاني لديه شِعرُه الذي يسمى “لغن” ولديه الشعر العربي الفصيح، وإن كانت المرأة الموريتانية تشاركه فيهما أحياناً، إلا أنهما كفيلان بالتعبير عن عواطفه. وقد ذكر الدكتور أحمد ولد حبيب الله في كتابه “تاريخ الأدب الموريتاني” أن الرجل كان يقول التبراع في فترة من الفترات، ولكنه مع تطوّر الشعر الشعبي في موريتانيا وتعدّد أوزانه وأساليبه بدأ يتخلى عن التبراع لصالح المرأة.
ومن أوجه التشابه البارزة بين الأدبين كذلك الدقة في الوصف والاختصار، حيث لا يتجاوز طول النص الواحد من اللانداي والتبراع عدة كلمات تبثُّ فيها المرأة ما يشغلها باختصار شديد. هذا بالإضافة إلى السرية والتكتم الذي يلفهما، فالمرأة البشتونية حين ترتبط بأدبها قد يكلفها ذلك حياتها، والموريتانية بحكم انتمائها لمجتمع محافظ تفضّل أن لا يرتبط أدبها باسمها. لذلك يُقرض اللانداي والتبراع عادة في المجالس النسوية الخاصة، وينتشر بعد ذلك بين النساء دون أن تُعرف المرأة التي أبدعته.
وفي ختام هذه الرحلة بين آداب الشعوب وثقافاتها نُشير إلى وجود أنماط أدبية ليست بعيدة عن التبراع واللانداي منها أدب “العروبيات” الذي تبدعه المرأة المغربية في مدينة فاس، وأغاني المطربات اليابانيات الذي يعرف “بالكايشات” و”الهجيني النسوي” و”الحوفي التلمساني” وكلها أساليب وآداب تشبه في شكلها ومضمونها أدبي التبراع واللانداي،

بقلم أحمد سيدي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق