اقلام البوليساريو

أبناء الغيوم

تلك العبارة التي تلخص حال شعب عاش أربعة عقود في المنفى…انه الشعب الصحراوي الذي كابدا الويلات بشتى أنواعها من اجل البقاء في تلك الخيام التي تعتبر عند البعض هي اثار لزمان غابر و لن يعود إلا في التمثيل لمسلسلات تحكي حقبة من التاريخ الجاهلي،تلك الخيام التي ولد تحتها جيل بأكمله من هذا الشعب المكافح ربما لم يذق طعم تلك المعاناة من كبر و ترعرع بين المنازل المكيفة و السيارات الفاخرة في عالم مرموق يلبي كل حاجاته و رغباته و بعيداً عن تلك الحياة الرغيدة، ليولد الطفل الصحراوي تحت ظروف قاسية و معاناة شديدة لكي يتلقى أولى دروسه بعنوان الكفاح من اجل البقاء،يكبر قليلا و يقوم بخطواته الاولى في الحياة ليجد ان الغيوم هي من يظله و ان الكثبان الرملية ألا متناهية هي فراشه و مقر مكوثه ليبدأ يعلو بطموحه نحو السماء في تحقيق حلم شعبه الأبي و ليواصل دربه بمفرده في مواجهة ابرز التحدّيات و الوقوف أمام أعظم الصعوبات في رحلة حياة أو ممات.
والعيينة ستكون صاحب المقال انا الطالب احمد سالك الشيباني قبل قرابة اثنين وعشرين عام لم ارى النور بعد وتحديدا في صباح يوم الثلاثاء الموافق للثالث عشر من شهر أوت لعام خمسة وتسعون تسع ميئة وألف وكغيري من الصحراويين مررت بما يمر به أبناء الغيوم من نعومة أظافري الى حدود كتابة هذه الأسطر التي تسرد واقع من المعاناة التي يمر بها الشعب الصحراوي الأبي،كبرت و ترعرعت بين احضان الجدارن الرملية المغطاة بصفائح حديدية لا تُبرد في موسم الصيف و لا تُدفئ اثناء الشتاء فيكون الخيار الانسب و الحل الأمثل لتلك الظروف هو الجلوس تحت ظلال الخيمة من حرارة الشمس و القطن في دفئ ستائرها المنسوجة من ملاحف امهاتنا من شدة البَرد، مثلي كأي طفل صحراوي ذاق مرارة اللجوء، كانت تلك ايام سعيدة لا تقدر بثمن بالنسبة لنا كأوجه بريئة ذو صفحات بيضاء لا نفرق بين الخطأ و الصواب،الحرام ام الحلال…و بعد مرور عامين و عقد من الزمن من يوم مولدي صار يتجسد لي العالم من حولي و بدأت احمل أحلامي و امنياتي على عاتقي و أخطو بها نحو الامام و اطمح ان اكون ذلك الشاب المثقف الدري بمواضيع شتي كالشجرة المثمرة التي ترمى بالحجارة،و في احد الليالي البدراء في صائفة عام ألفين و ثامنية،سمعت صوت ينادي من بعيد كان كالصاعقة في أذني و انا واقف على هضبة صغيرة قرب الخيمة لعلي أنصت للمنادي نبأ انقله الي اهلي حيث سمعت خبر هو أن فجر يوم غد موعد سفري،بعدها بلحظات انتابني شعور إن ذا يوم الرحيل و الابتعاد عن الأحبة الي بلد غير ذي خل و لا حبيب …
و في صبيحة يوم غد انطلق بي ذلك السفر الطويل من تلك الخيم ذات السواد الداكن و البياض اللامع كاللؤلؤ والمرجان،حيث تشحن المعنويات بالاقدام و الشجاعة لينتهي بحنان و اشتياق للوطن فيحل الصمت عند اللحظات الاخيرة من وداع الأهل و الاقارب و تدمع الأعين و نستحضر قول المتنبئ : “يامن يعز علينا ان نفارقهم—وجداننا كل شيء بعدكم عدمُ”، بعدها تدرك ان القوة الوحيدة التي تمتلكها للسيطرة علي نفسك هي إيمانك بها،عندئذٍ يمكنك ان تسمو فوق كل السلبيات و سوف تصبح حراً اذا جربت هذه الحقيقة … لكن يبقى الأمل و الشهامة رمز للطالب الصحراوي في تحقيق حلمه،حيث ذهبت مع فيئة من عمري لم يربطني معهم سوى انهم شربوا جميعا معي من كأس اللجوء و ذاقوا معي نفس الظروف ليكونوا بعد ذلك جزءً مهما في سعادتي و فاعلاً اساسياً في اكتمال يومي،ليبدأ عام جديد ملئ بالمقامرات و المفاجآت التي تنطوي تحت خبايا المستقبل.
يوم بعد يوم أتقرب من بعض تلك الاشبال و أتعرف عليهم خطوة بخطوة في منفي اعمى لا يفرق بين الكبار و لا الصغار و تحت ظروف شديدة لا يعلمها الا من عاشرها كأبناء الغيوم الذين ضحوا بكل ما لديهم من قوة في سبيل العيش بكرامة حتي صارت فرحتي بدونهم لا تكتمل و بوجودهم يمتلئ قلبي سعادة و لتُرسم قيمة تلك الأحبة على لسان الشاعر حين قال : “فتشت اوراقي وارهقني التعب—و قرأت اشعار البلاغة و الأدب
و بحثت في كل السطور فلم اجد—وصفا يليق بمن فؤادي قد أحب
و الناس عندي بعضهم من فضة—لكنكم انتم احبتي من ذهب “.
نعم هي الغربة التي تبني رجالا بوزن الجبال شهامة يحملون على اوزارهم ذكريات لن تمضي طَي النسيان….فارقنا اصدقاء،احببنا غرباء،كرهنا اقرباء،و انتهى عامنا و في نهاية كل عام دراسي و تحديدا بداية العطلة الصيفية نتجه الي المخيمات و كلنا أمل ان نلتقي مجددا و نستحضر في ذلك قول الشاعر : “و أسوء ما في العيش بُعد أحبة —و أوجع ما في القلب ان لا تلاقي
و اسعد ما في العمر لقياك بالذي—تحب و ان كان اللقاء ثواني “.
ففراق الأحبة هو كحزن لهيب الشمس يبخر الذكريات من القلب ليسمو بها الى عليائها فتجيبه العيون بنثر مائها لتطفئ لهيب الذكريات…حقيقة تقشعر لها الابدان و تجف فيها الاقلام هذه حكاية كل طفل صحراوي ولد و ترعرع في الخيام تحت ويلات الاستعمار و قساوة الظروف.
بقلم الطالب : أحمد سالك الشيباني
جامعة معسكر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق