اقلام البوليساريومستجدات الصحراء الغربية

حتى لا نغفل عن مصدر قوتنا؟

بقلم : محمد فاضل محمد اسماعيل obrero

يمكن تشبيه نشأة ثورة العشرين ماي ومسيرتها المظفرة بشريان حليب ينبع من القوة الذاتية للشعب الصحراوي ليشق طريقه نحو استقلاله وكرامته، يخرج بين فرث العالم ودمه، حليب يفسده تسرع وغرور وقصر نظر البعض حين نسمعه يربط تقدم قضيتنا او تأخرها بمواقف الاخرين منها، صحيح انها تتأثر سلبا وايجابا بمواقف العالم وما يستجد فيه من احداث وتحولات، لكنه تأثير نسبي قد ينعدم احيانا، ومن هذا المنطلق تبينت لي اهمية نفض الغبار عن بعض خصائصها الجوهرية حتى لا يغفل عنها البعض وينساها ويركب مطية تزيغ به في خط “وَلْدْ الْفَزْفَازْ” بعيدا عن الطريق المستقيم، فاغتنمت مناسبة الذكرى الـ45 لتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب واندلاع الكفاح المسلح لتخليص ووطننا الحبيب من براثين الاستعمار البغيض للتذكير بذلك، لعل مضمون هذه الاسطر يصل الى اذهان من يجهلها وهي المعلم الذي لا يجهل، وخصوصا ان ثورة العشرين ماي، قامت بافكار وطنية صحراوية محضة وامكانيات ووسائل صحراوية صرفة، رغم شحها، ان لم نقول انعدامها آنذاك واستمرت على هذا النهج الى يومنا هذا، وهكذا ستسير الى غاية الاستقلال، فهي اذن من الصنع الصافي للانسان الصحراوي، وتعود منفعتها لكل الصحراويين قبل غيرهم، بمعنى انها ثورة وطنية الصنع ووطنية الاهداف وتأتي بنتجة وطنية، وثمن مكاسبها هو البذل والعطاء الوطني الصحراوي لا غير ولا تستقيم الا به، فقد انبثقت من صلب معانات شعبها وواقعه المزري المرفوض معتمدة على امكانياته مهما قلت، ومسترشدة بمغزىى المثل الشعبي الاصيل (لَجْرَبْ مَا إِحَكْلُ مَاهُ فَمُّ) فولدت وترعرعت بصمت في حضنه ولم يتألم من عسرة مخضاها سواه، تهدف الى بسط سيادته وكرامته على وطنه، وتحقيق رفاهيته وتقدمه، وهي ملك صرف له، وإرث تتعاقب عليه اجياله عبر الزمن بحلوه ومره.
ولو انها منفتحة على جيرانها وعلى كل الشعوب التواقة للحرية والسلام، وكيف لا وهي مشبعة بالخصال الحميدة لشعبها، تلك الخصال التي لا تدع مجالا للشك في بذله وعطائه لدعم ومساندة الاخرين عبر تاريخه الكفاحي الطويل الذي يشهد كل شبر من جواره على شهداء له اختلطت دمائهم بدماء جيرانه في دفاع مشترك عن شعوب المنطقة، بما في ذلك الشعب المغربي الذي ساقته مملكة العار والجور في حرب شوفينية ظالمة ضده وسيشهد التاريخ على انه اقرب لمصلحته منها، ومن هذا المنطلق لا خلاف ان حرية الشعب الصحراوي وقيام دولته المستقلة لن يكون الا عامل توازن و استقرار في المنطقة وسيجلب رياح الامن والطمأنينة والرفاهية والتعاون على البر والتقوى بين كافة شعوب المنطقة مما سيساهم في نموها وازدهارها، وليست هذه امنية فقط، وانما امانة وهدف من اهداف هذه الثورة التي لا تقتصر على كونها ثورة علىى الاستعمار وتحرير الوطن، وانما تتعدى ذلك لتثور على الجهل والتخلف والتفرقة والفقر. كما ان الدور الفعال الذي يقوم به بعض جيراننا في دعم هذه الثورة المجيدة امر لا ينسى وقد نُقش باسطر من ذهب في ذاكرة شعبنا الذي يصنع الفضية دائما ولا ينكر جميلا. الا انني من باب المسؤولية اردت ابراز دور الفاعل الرئيسي في هذا الامر والمحرك الاول له حتى لا تختلط الاوراق وتحجب اكوام الوهم الاكسجين عن بعضها وتذبل.

ومن حيث النشأة فقد نشأت الثورة العشرين ماي في اوج الحرب الباردة ولم تنحاز لاي من طرفيها، فكانت مبهمة عند كليهما، نتيجة للحصار الذي ضربه الاستعمار والرجعية ومن ورائهم في تعاون لا يزال مستمرا الى يومنا هذا، لتغييب شعبنا عن الوجود، فطعنت نتيجة ذلك بسهام الغرب الماضية، ولم تحظى بحماس ولا ود الشرق، فمثلت بذلك ظاهرة كاد ان تكون فريدة من نوعها، وهو تفرد دفعت ثمه في السابق ولازالت تدفعه الى الان وسنسمر وكلنا عزم وتصميم في دفعه حتى النصر النهائي لانه ثمل الحرية التليدة. كما نتج ايضا عن ذلكم التفرد لبس لم يتبدد كلية الى الان، لاننا كنا امام موجة من التحدي يصعب على العقل المصلحي تصديق ركوبها بنجاح، فبامكانيات شحيحة لشعب متخلف، قليل العدد فقير لا يملك سوى ثروة حيوانية في سنوات عجاف، ممزق بشتى اصناف التفرقة، في ارض صحراوية شبه جردى محاط بقوى رجعية متكالبة من الجنوب والشمال، دون دعم اجنبي، يصعب على اصحاب هذه العقول تصديق إنشائه لمقاومة تنجح لدرجة تبهر جهابذة السياسة العالمية، وهو امر شخصه الشهيد الولي رحمه اللّٰه حين قال: ان ثورة العشرين ماي حطمت مقاييس الثورة في العالم، لانها حققت ذلكم النجاح في وقت وجيز في الظروف السالفة الذكر في وقت كان العالم يجهل مكامن قوة شعبنا التي لا تنضب وخصوصيات مقاومته الفذة التي تفسر هذا النجاح الباهر، ، وبما ان التماس كان مع الغرب من خلال اسبانيا الاستعمارية وكانوا يبحثون عن تفسير له، فقاموا بتفسيرهم حسب فهمهم بما يناسب هواهم، ومهدوا بذلك ارضية لدعاية ضدنا، فالصقوا بنا ما شاؤوا من النعوت الواهية المضللة، نظرا لتعرضنا لمصالحهم (أَلِّ مَا يَبْغِكْيَحْلَمْ عَنَّكْ حَلْمْ شَيْنْ)، وهي الارضية التي قام عليها غزو بلادنا وتقسيمها، وفي نفس الوقت كانت تلك الخاصية دليلا للشرق آنذاك على وجود امر ما يجهلونه وما ذاك الامر الا تلك القوة الكامنة في شعبنا والمتمثلة قدرته على المقاومة حتى ولو كان وحيدا في الميدان ومحاصرا من كل حدب و صوب، فوجدنا انفسنا حينئذ ضحية لتلك الحرب الباردة التي نحن في حِلٍّ منها تماما: فهاجمنا الغرب عبر عملائه لضمان مصالحه في المنطقة على حساب وجودنا، وتجاهلنا الشرق لانه لم يرى مصالحه فينا، واستمرت مقاومتنا بخطوات ثابتة ومن نصر الى نصر رغما عن الجميع، لتتلاشى دعايات المتآمرون واذنابهم، فظلت الاوصاف والاكاذيب التي ولصقت بنا تسقط في الماء الواحدة تلوا الاخرى امام كفاحنا الشرعي النظيف حتى توقفت آلة صنع السلاح والذخيرة الملفوفة بالمكائد السياسية والمخابراتية ليصبح حجب الشمس بالغرال امر غير ممكن، فما ذى الذي بوسعهم صنعه الان اذن؟… نستطيع الجزم على ان كل الاساليب العدائية ضدنا قد تم تجريبها بما فيها محاولات الابادة بشتى انواعها وتلاوينها ولم يبقى من جديد سوى اعادة اجترارها، “واحْنَ مَتْعَارْفِينْ”، وان بدأت حرب باردة اخرى فنحن ولدنا وترعرعنا في خضمها نحن نعرف ماهيتها، وعليه فما علينا الا ان نستمر في استكمال الطريق بكل حزم.
وكما يقال رب ضارة نافعة، والنافع بل والثمين في وضعنا الوسطي من لاعبي شطرنج العالم، هو انه كله راحة، لاننا لم نأخذ حريتنا من استعماري ما، رغم انها لم تكتمل بعد، لنسلمها لاستعماري آخر، الشيئ الذي مكننا من ان ننآى بقضيتنا عن تجاذبات الكبار لتسلم من التدويل، حتى لا نكون رأس سهم يغرسه احدهم في خاصرة الآخر ويسحقه هو الاخر لانه يؤلمه، فتجنبنا بهذه الحكمة العجيبة وضع الاصتفاف الذي يأتي ببلايا لا تحصى، و أولها سلب الحرية، وهو ما يجب ان نثمنه ونحمد اللّٰه عليه ونستنبط منه القناعة الراسخة باننا نحن من عليه دفع ثمن حريته دون الاتكال على الغير، غير ان النتيجة النهائية تستحق العنى لانها الحرية الخالصة للصحراويين كاخلاصهم لها، صحيح ان وطناً يسيل لعاب الطامعين مثل وطننا يتطلب تخليصه من الاحتلال ; اما توفر قوة ضاربة ترجِّح ميزان القوة بسرعة وهذه لم نتوفر نحن عليها وأبينا جلبها حفاظا على صفاء ونصاعة النتجة النهائية، و إما الاكتفاء بالقوة الذاتية وتنميتها وحفظها والاعتماد عليها، وهي ايضا كفية بتحقيق النتيجة نفسها حتى ولو طال الزمن، و هو الخيار المتوفر والجامع بين الحرية وصفاء النتيجة من شوائب التجذبات الاجنبية، وهو طريق قد تزيد فيه المعانات مع امكانية طول الامد، لكن هذا هو ثمن الحرية التي رضينا لانفسنا، فلا مجال لمخادعة النفس و”اطْيَارْ الْعْينْ”، والتصرع، فالطريق يطول اويقصر زمنه .\. على قدر كرم كل واحد منا في عددنا لتكون النتيجة غدا او بعد غد، وتبعا لذلك نتقدم بسرعة او بأخرى، لكن النصر أكيد ونمتلك وسائل تحقيقه وهذا هو المهم.
كما يجدر بنا التذكير هنا ايضا بان الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب لم تخفي منذ تأسيسها، تبنيها لمختلف اساليب النضال السلمي من اجل الاستقلال مبينة انها لا تلجأ للكفاح المسلح الا في حالة اليأس من جدوائية السبل الاخرى، كما هو جلي في بيانها التأسيسي الصادر عن مؤتمرها الاول، كما لم تخفي اعتمادها على شعبها من خلال شعار مؤتمرها الثاني: “حرب التحرير تضمنها الجماهير” كما يتصح حيادها كذلك جليا من بيانه السياسي وامتثالها للقانون الدولي; القاري منه والاممي هذا الامثال الذي اكسبها احترام وتقدير العالم باسره.
وخلاصة القول هنا، هي ان الشعب الصحراوي قد قرر في اطار الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب تفجير ثورة شعبية في 10/05/1973 تتبنى الكفاح المسلح كاسلوب لتحقيق استقلال وطنه في غاب امتثال الاستعمار للشرعية الدولية التي تقر بحقه في ذلك، في ثورة لا تنحاز إلا لمصلحة شعبها وحقه في الحرية والعيش الكريم ضمن شعوب العالم التي يؤمن بحقها في التحكم في مصائرها طبقا للشرعية الدولية، يعتمد على نفسه لتحقيق اهدافه وهو مستعد للتجاوب مع كافة الشعوب في تعاون واحترام متبادل لتحقيق تقدم العالم ورفاهيته. ان هذه الخصائص التي لازمتنا في احلك ظروفنا ولازالت تلازمنا الى الان لهي ملاذنا الآمن الآن وغدا وبعد غد، فإن امتثل العالم لحقنا الذي لا غبار عليه فبها ونعمة، والا (مَا طَحْنَ وْ لَا كَنَّ ارْكُوبْ) فالشعب الصحراوي وما يمتلك من امكانيات واصدقاء قادر بما فيه كفاية على استكمال ما تبقى من الطريق بكل تعرجاته مهما كلفه ذلك من ثمن، ولم يبقى من الطريق الا اسهله، هذا ما يجب ان يعلمه او يتذكره الداني قبل القاصي، وقد يقال ان الانتظار يطول ومعه المعانات لكن نحن لا ننتظر، نحن نكافح اما المعانات فمرحبا بها مقابل الكرامة، ففيها يتصلب عود مقاومتنا وتتنامى قوتنا الذاتية ونبتكر اساليب جديدة لقهر العدو وبالمقابل ينقلب الانتظار على العدو المحتل وتزداد ازماته ويلفظه الزمن ليلفظ انفاسه الاخيرة ويرحل، وكل متبوع ملحوگ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق