اقلام البوليساريومستجدات الصحراء الغربية

الدور الريادي للنخبة في قيادة المجتمع

بقلم: الديش محمد الصالح

لعبت النخب عبر العصور، سواء كانت سياسية أو ثقافية أو فكرية، دورا محوريا ولازالت في التأثير على حياة البشرية وتقدمها، وبرز هذا الدور بشكل كبير لما اشتد الصراع الفكري والتنافس العسكري والاقتصادي من اجل الهيمنة مما قاد إلى نشوب حروب مدمرة تسببت في احداث الفوارق التي تعيشها اليوم الشعوب والامم.
وتقدم أو تأخر شعوب وامم يتوقف على وعي نخبها بحجم المسؤولية الملقاة على عواتقها في خدمة بلدانها وتحقيق طموحات شعوبها في العيش الكريم. وبقدر ما كانت النخبة وفية للمبادئ والقيم الإنسانية ومدافعة عن كرامة شعوبها بقدر ما كان النجاح حليفها. كما ان التكاملية في الادوار بين مختلف مكوناتها السياسية، الثقافية، الفكرية والعلمية امرا أساسيا من شأنه أن يضمن نجاح السياسات المرسومة.
وبالنسبة للتجربة الصحراوية، كانت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب حرصت منذ الوهلة الاولى أن تعطي بعدا شعبيا لنخبتها، بحيث استطاعت تشكيل نخبة سياسية شعبية قادت ووجهت الجماهير بكل انسجام ووحدة، ولعل العامل الذي سهل في نجاح عملها كان حينها الانشغال بالحرب. وبعد وقف إطلاق النار والدخول في مرحلة اللاحرب واللاسلم وانعكاسات المتغيرات الدولية برزت تحديات اثقلت كاهل المنظمة مما اصبح يفرض مراجعة تشكيلة هذه النخبة واساليب عملها وخطابها السياسي.
والظروف التي نمر بها اليوم تفرض علينا إعادة تشكيل نخبتنا الوطنية بالشكل الذي يتماشى مع متطلبات العصر والحداثة وان تتوسع لتشمل مختلف القدرات والطاقات الثقافية المتوفرة لدينا، نخبة معركة كفاح قادرة على قيادة المجتمع وتوجيهه من اجل الصمود والاستمرارية حتى تحقيق اهدافنا في تحرير ارضنا وحماية مجتمعنا من اية انزلاقات، نخبة تستطيع اغناء وتطوير تجربتنا الوطنية في الإبداع والمبادرة لمواجهة سياسات العدو المختلفة. نخبة كذلك قادرة على تقويم سلوكيات المجتمع والقائمين على التسيير، نخبة باستطاعتها ارشاد المجتمع نحو ما يخدم تطوره ولا يؤخره والمحافظة على الاخلاق وارشاد ، نخبة تحارب كل مظاهر الفساد الإداري وغيره من المظاهر التي تعيق مسيرتنا النضالية. إن بناء مجتمع حضاري وواعي هو الكفيل بأن يضمن تحقيق الأهداف المنشودة في الحرية والاستقلال.
ونحن كحركة تحرير اخذت على عاتقها ان تمزج بين التحرير وبناء المجتمع وتجسيد الدولة الصحراوية، كونهما أمران لا يستغني أحد منهما عن الآخر، لان الإنسان هو راس المال الأول لدينا ولذلك علينا بناءه بالشكل الذي يستطيع تحرير نفسه من خلال تحرير أرضه المغتصبة وبناء دولته المنشودة، وبالتالي فجهودنا يجب أن تنصب حول الاستثمار في العنصر البشري واستغلال طاقاته المتعددة.
ان تأطير المؤهلات والمقدرات الوطنية، رجالا ونساء، من دكاترة ومهندسين وصحفيين وكتاب وقضاة وأئمة ومحامين وخريجين في مختلف الاختصاصات من شأنه تشكيل نخبة تحت لواء تنظيمنا الطلائعي الوطني الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب قادرة على التعاطي مع هذا الوضع المعقد والظرف الدقيق لمواجهة التحديات التي أفرزتها حالة اللاحرب واللاسلم والتي استغلها العدو في تمرير سياساته من حرب نفسية ودعاية هدامة. وأصبح لزاما ايجاد مراكز للبحوث والدراسات، التي لا غنى عنها اليوم للمساعدة في إنجاز السياسات المرسومة.
اما الخطاب السياسي، فانه بالإضافة للعناصر الثابتة التي هي تعبئة الشعب على الوحدة الوطنية، التحريض على العطاء والتضحية من اجل تحرير الوطن، تثمين المكاسب وإنجاز البرامج ودحض دعايات ومغالطات العدو بالحجج والبراهين، لابد من أن يراعي هذا الخطاب بالشرح والتفسير الدقيق خصوصية الظرف والمتغيرات التي حدثت على المجتمع ومتطلبات العيش الجديدة والظواهر المشينة التي أفرزتها وما ترتب عن حالة الانتظار من تغيير في الذهنيات. وهناك جيل جديد لم يعيش الحرب وغالبيته ترعرعت ودرست خارج المخيمات ولها طموحها وتطلعاتها في العيش المختلف عن حياة اللجوء القاسية، لذا لابد من التقرب من هذا الجيل ومخاطبته باللغة التي يفهمها وبشكل واقعي بعيدا عن كل ما من شأنه أن يؤدي إلى خسارته. وبما أننا نعيش واقع حرب لابد أن يحظى الخطاب السياسي بالمصداقية في الطرح والصحة في الخبر لتجنب شراك وخداع العدو.
ثم انه لابد من تعدد اشكال إبلاغ رسالة الخطاب السياسي، فالمهرجانات والتجمعات والندوات والمؤتمرات العادية وحدها لا تكفي، بل لابد من استغلال الطاقة الفكرية والثقافية بما في ذلك المسرح والأغنية والقصيدة الخ… وتوظيفها في خدمة الخطاب السياسي، لذا لابد من التكثيف من الملتقيات الفكرية والمنابر والامسيات الثقافية، ودفع المجتمع المدني وخاصة المنظمات الجماهيرية للعب دور محوري في هذه الأنشطة.
وفي ظل الوضع الحالي الذي تتوقف فيه لغة البنادق، يكون لزاما على نخبتنا ان تبدع وتبحث عن كل ما من شأنه ان يساعد على تأجيج انتفاضة الاستقلال وتكسير الحصار عن المناطق المحتلة باعتبارها واجهة الصراع الاولى في هذا الظرف ونقطة التماس مع العدو. فعلى نخبتنا ان تدرك أن العدو لا يبخل اي جهد في التأثير على ثقافتنا وقيمنا الحضارية، ولعل فيئة الشباب هي الفئة المستهدفة الأولى من طرف الغزاة المغاربة الذين يحاولون جاهدين فصلها عن بقية فئات المجتمع الاخرى التي لازلت متمسكة بتلك القيم وتلك الثقافة.
وعلى الصعيد الدولي، فان معركة تجسيد الحقيقة الصحراوية أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الحسم خاصة مع تمتع القضية الوطنية بقوة قانونية كبيرة والمكانة المرموقة للدولة الصحراوية في الاتحاد الافريقي، وهو ما يستدعي تجنيد خيرة النخبة من اجل هذا الغرض وإبلاغ رسالة شعبنا إلى كل ربوع العالم. وانطلاقا من هذا، فانه من الأهمية بمكان توظيف طاقاتنا المثقفة في المهجر خدمة لهذه المعركة.
وعلى النخبة ان تعي اهمية الدور الحيوي الذي يلعبه الإعلام اليوم بمختلف وسائطه المسموعة والمكتوبة والمرئية في إيصال الخطاب السياسي، خاصة مع توفر شبكة الإنترنت والتركيز في هذا الاطار على وسائل التواصل الاجتماعي واستغلالها احسن استغلال. ونظرا لأهمية هذا الجانب فإنه لابد من ضمان تغطية دائمة للإنترنت في المخيمات والأراضي المحررة وإزالة كل العوائق التي تحول دون وصولها للمواطن عن طريق استخدام أجهزة الالتقاط عن بعد. وهنا لابد من اعطاء بعد للإعلام الشعبي عن طريق فسح المجال أمام المبادرات المحلية والجهوية وحتى الفردية وإشاعة روح التنافس الإيجابي. وفي هذا الإطار فإنه من الضرورة ازالة الأسباب التي تعيق انتظام إصدار مجلة 20 ماي، اللسان المركزي للجبهة، جريدة الصحراء الحرة، مجلة الخنكة ومجلات المنظمات الجماهيرية. كما أنه يتوجب على الإطارات السياسية والعسكرية في مختلف المستويات والمثقفين المساهمة في إغناء هذه الوسائط الاعلامية بالمقالات التحليلية أو التوجيهية أو بالكتابة عن التاريخ الذي أصبح من الضروري تدوينه.
ان احتواء وتأطير الوسائط الاعلامية الوطنية غير الرسمية أصبح أمرا مفروضا على المنظمة للتحكم في توجيهها والاستفادة من الإمكانات والقدرات الخلاقة المتوفرة لدى هذه الوسائط في إيصال رسالة القضية الوطنية.
إن ملتقى الأطر المزمع عقده في الأيام القليلة القادمة فرصة للبحث في الدور الطلائعي لمختلف مكونات النخبة الوطنية وتحديد المسؤوليات المنوطة بكل منها في المعركة الكفاحية ضد المحتل المغربي. اننا نواجه عدوا ماكرا ومخادعا ويمتلك امكانيات مادية وبشرية هائلة وعلاقاته واسعة، لكن كل ذلك لا يساوي شيئا أمام إرادة قوية وصادقة وبالأحرى اذا كان دافع أصحابها هو الدفاع عن حق شعبهم المشروع في الحرية والاستقلال، فحينها سيكون النصر إلى جانب الحق بإذن الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق