أقلام أجنبية

«ستراتفور»: الثورة القادمة في مصر.. لماذا سيسقط حكم «السيسي»؟

جلبت انتفاضات الربيع العربي عام 2011 تغييرا غير مسبوق في مصر.

ولكن حتى عندما أجبر الملايين من المتظاهرين الرئيس «حسني مبارك» على التنحي عن منصبه بعد 30 عاما من شغله الموقع، ظل جزءا كبيرا من هيكل السلطة في البلاد قائما.

وكان المجلس الاعلى للقوات المسلحة قد تولى السلطة سريعا بعد الإطاحة بـ«مبارك» وشرع في إجراء تعديلات وزارية ورفع حالة الطوارئ جزئيا، ومقاضاة المسؤولين السابقين في حكومة الرئيس المخلوع.

ومع ذلك، بدا أن هذه التحركات كانت محاولة لتهدئة الجمهور أكثر من كونها جهدا جادا لإصلاح النظام السياسي المصري.

وخلال الفترة الوجيزة التي قضاها في منصبه، لم يحاول الرئيس «محمد مرسي» دفع الجيش بعيدا عن السياسة، وبدلا من ذلك اختار العمل مع فصائل مختارة من الجيش ضد فصائل أخرى. وكان الجنرال «عبد الفتاح السيسي» مدير المخابرات العسكرية مستعدا للعمل مع «مرسي» الذي وضعه في منصب وزير الدفاع.

ولكن دعم «مرسي» للسيسي سرعان ما انقلب بنتائج عكسية.

وقد استغل السيسي «سذاجة» مرسي السياسية في رسم طريقه إلى السلطة حيث أطاح وزير الدفاع – بدعم من تحالف واسع – بالرئيس المنتخب من منصبه في يوليو/تموز 2013 بعد مرور عام واحد على شغله المنصب.

وفي أعقاب ذلك، شرع «السيسي» في مسعى ثابت لتعزيز حكمه.

وبعد أربع سنوات ونصف، في الوقت الذي يستعد فيه الرئيس الحالي للمطالبة بإعادة انتخابه في مارس/آذار، فإن تركيزه المبالغ فيه على سلطته ربما يجعله عبئا على حكومته والشعب المصري بأكمله.

ومع وصول «السيسي» إلى الرئاسة عام 2014، كانت أولويته الأولى هي تفكيك شبكة المصالح الشخصية التي تخللت مؤسسات مصر.

وقد ازدهرت هذه الشبكة، المسماه بالدولة العميقة، في عهد مبارك الذي أعطى الجيش حرية الانخراط في الأنشطة الاقتصادية.

ومن ثم نمت الدولة العميقة إلى ماموث كبير يضم النسخة العسكرية إضافة إلى قوات الأمن والقضاء، وأجهزة الاستخبارات، والأجهزة البيروقراطية والأكاديميين، ووسائل الإعلام ورجال الأعمال.

وبدلا من محاولة دمج نفسه في قلب تلك الشبكة، فإن «السيسي» عمل على الإطاحة بها حيث قام بتطهير العديد من ضباط الجيش قبل أن يطيح برئيس أركان القوات المسلحة.

وبلغت ذروة هذه الجهود التي دامت 4 سنوات تقريبا في يناير/كانون الثاني مع الإطاحة برئيس جهاز المخابرات العامة.

ومع تنصيب قادة مقربين من «السيسي» على رأس وحداته وأجهزته، يعتمد الرئيس اليوم على الجيش ليظل في السلطة.

وتسبب الانقلاب الذي قاده «السيسي» ضد «مرسي» في عام 2013 إلى إنهاء حقبة قصيرة من التمثيلية السياسية شهدتها مصر وبدأ عصر جديد من حكم القوة المطلقة. وخلافا للقادة الاستبداديين السابقين، مثل «جمال عبد الناصر» و«أنور السادات» و«مبارك»، لا يستمد «السيسي» شرعيته من الحزب الأوحد ولكن من القوات المسلحة.

ويشير ازدراء «السيسي» للأحزاب إلى قلة اهتمامه بالتعبئة السياسية.

ولعله من المفارقات أنه سمح للقوات المسلحة بتوسيع إمبراطوريتها الاقتصادية، كما فعل «مبارك» من قبل. وقد نمت شبكة الأعمال العسكرية منذ ذلك الحين لتشمل تطورات العقارات التجارية، إضافة إلى أعمال الطاقة والتصنيع التي تديرها بالفعل.

مع ذلك، يتجاهل «السيسي» سائر المؤسسات التقليدية للدولة العميقة باستثناء الجيش. ويحاول الرئيس بدلا من ذلك التقرب من الشباب المصري الذين لعبوا دورا رئيسيا في انتفاضة عام 2011 التي أطاحت بـ«مبارك».

ففي عام 2016، استضاف السيسي المؤتمر المصري الأول للشباب الذي هدف إلى «توسيع قنوات الاتصال الفعالة بين الحكومة المصرية والشباب المصري في جميع أنحاء البلاد»، وفقا لدائرة المعلومات الحكومية المصرية.

وفي العام التالي، أصدر الرئيس مرسوما بإنشاء أكاديمية وطنية لتدريب الشباب وتمكينهم تحت إشرافه المباشر.

وإدراكا منه للسلطة التي يتمتع بها الشباب، يحرص «السيسي» على إبقائهم تحت طوعه، خشية أن يجد نفسه في مهب انتفاضة.

ويدعم الرئيس وسائل الإعلام لنفس السبب، كما يشتري الصحفيين ومنافذ الأنباء من خلال الامتيازات والهبات.

استبداد واسع النطاق

ومثله مثل سائر الحكام الاستبداديين، لا يبدو «السيسي» أي تسامح مع المعارضة. على سبيل المثال، تلقى العقيد «أحمد قنصوة» حكما بالسجن لمدة ست سنوات بعد أن أعلن اعتزامه منافسة «السيسي» في الانتخابات المقبلة.

ولقي الفريق «سامي عنان»، رئيس الأركان السابق للجيش المصري، مصيرا مماثلا، عندما كشف النقاب عن خطته للترشح للرئاسة؛ حيث اعتقله الجيش ووجهت له مجموعة من التهم، منها محاولة الوقيعة بين الجيش والشعب المصري.

ويبدو أن هذه التجارب دفعت المحامي والحقوقي «خالد علي» هو الآخر لسحب ترشحه.

ويواجه «علي»، الذي اكتسب زخما بعد تحديه قرار الحكومة المصرية بنقل السيطرة على جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية عام 2016، حكما بالسجن 3 أشهر بزعم قيامه بإشارة غير لائقة احتفالا بانتصاره القضائي على الحكومة في قضية تيران وصنافير، بما يعني أن علي كان مهددا بالاستبعاد من السباق في حال عدم انسحابه.

ويعامل الدستور المصري الترشح للمناصب كحق، لكنه يترك تنظيم هذا الحق للقانون.

ويبدو أن «السيسي» عزم على القيام بهذه المهمة بنفسه، حينما أعلن أنه لن يسمح للفاسدين بالوصول إلى حكم مصر.

كما تحتفظ اللجنة القضائية التي يسيطر عليها المجلس العسكري للقوات المسلحة وأفراد القوات المسلحة بالحق في تحديد المرشحين العسكريين المؤهلين للرئاسة.

وعلاوة على ذلك، فإن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لن يسمح لأكثر من مرشح واحد من صفوفه بالترشح للرئاسة، من أجل الحفاظ على وحدة الجيش.

الطريق إلى الاستبداد معبد بالنوايا الحسنة

وبصرف النظر عن الحفاظ على مصالحه الخاصة، لم يبد «السيسي» اهتماما كبيرا بتحسين حكمه.

وبعد أن وضع الإصلاح التعليمي الشامل كشرط مسبق لتحديث مصر- وهو هدف لا يمكن بلوغه بميزانية تبلغ فقط 13 مليار دولار سنويا- فإن «السيسي» حد من جهوده لتحسين الأمن في المطارات ومناطق الجذب السياحي.

وعلى الرغم من أن استراتيجيته لإدارة المشاكل الاقتصادية في مصر تسير على مقربة من توصيات البنك الدولي، بما يشمل خفض الدعم الغذائي ودعم الوقود، وتعويم الجنيه المصري، وخصخصة البنوك والشركات المملوكة للدولة، فإن هذه التدابير لن تكون كافية لاسترضاء الناخبين المصريين، بغض النظر عن قلة الخيارات المتاحة لديهم للاختيار من بينها.

إن ولع «السيسي» بالقوة لابد أن يتسبب في زواله عاجلا أم آجلا.

ومع كل يوم يبقاه الرئيس في منصبه فإنه يعطي شعبه سببا جديدا للاعتقاد بأن التمرد هو السبيل الوحيد للتغيير السياسي.

وكما أظهرت الثورة المصرية قبل سبع سنوات، فإن الشعب المصري يصبر ويتسامح ولكن فقط ما لم يتم دفعه إلى أبعد من الحد الأقصى لاحتماله. (ترجمة فتحي التريكي – الخليج الجديد)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق