ادب

الآخر يموت

أستيقظ من نومٍ متقطّع لأقرأ كلمات سيدة من بلدي تكتب: “إلى الآن، والقذائف تُمْطِرُ الغوطة الشرقية، رباه تولَّ أمرنا ولغيرك لا تكلنا”. أختنق برشفة القهوة الأولى التي أتناولها في منزلي الدافئ، بعيداً آلاف الأميال عن المحرقة السورية المستعرة. أنظر من النافذة إلى شوارع مدينتي الغارقة في الثلج وفي الظلام، وأحاول أن أصرخ، فتُسكتني حنجرتي العاجزة. وأكاد أن أخاطبها قائلاً: حتى أنْتِ؟ لماذا، فلم يبق لدينا سوى الصراخ، وها هو يُفارقنا بعد سبع سنوات من تراكم الضحايا وتكدّس المآسي وانتشار الروايات السوداء، ورسوخ الحقد المتفجّر، وتوطّن الأنانية السافلة، ومبايعة الوطنية الزائفة، وممارسة التباكي في عصر ما بعد الدموع، ومعاقرة التحسّر وكل أصناف الخيبة والألم والغضب.
وفي الأيام الأخيرة، ترد، كما منذ سنوات، أرقامٌ إحصائية للضحايا، تكاد هي الأخرى تصرخ بصمت، تسرد أعداد الشهداء والجرحى التي تتراكم في أوراق المنظمات المحلية والدولية الموثٌّقة للجرائم دونما حيلة، كما هم الموتى يتراكمون في عمق تراب سورية الخصب دماً. ولكن الأمر يتطوّر، وفي “سابقةٍ” مؤلمة حتى النخاع، صارت تُضاف خاناتٌ لم نعهدها، فقد أضيفت، إلى قوائم الضحايا، أعدادُ الأطفال الذين صاروا أيتاماً، وأعداد النسوة اللواتي صرن
“نحن لا نرغب بالموت، ولكن إن كنا نعيش آخر اللحظات، فدعونا نتقاسمها” أرامل، كما الجرحى الذين صاروا معاقين. كل هؤلاء من البشر الذين ذهبوا ضحية القصف الهمجي على ضواحي دمشق، كما على مدن محافظة إدلب وقراها في الأيام القليلة الماضية.
ويتناقل الناس افتراضياً على الشبكات المتاحة، لا الوكالات العربية أو العالمية المصابة بالخرس الأزلي، صور تكاد تخرج من مشاهد أفلام الرعب والحرب. أشلاء متناثرة ورؤوس متدحرجة. مُسْعِفٌ يركض محتضناً طفله الجريح أو الميت، وآخر يطلب السماح والمغفرة من جثة أمه المدفونة تحت الركام. وتتالى الشهادات شديدة الفظاعة، والتي تُحيلنا إلى قصص الحروب في القرون الوسطى وسرديتها، كما إلى المجازر المنهجية ضد اليهود والأرمن والغجر في سنوات القرن الماضي الأولى.
عجزنا مذهل، وتناقلنا للأخبار مفجع. يكتب لنا أهلنا وأحبابنا من تحت النار، طالبين منا الدعاء. منذ سنوات، لم يعودوا يطلبون سواه. نقرأ ما يكتبون ونختنق. ونترّقب صفحاتهم بتوجس وقلق، منتظرين أن يظهروا لنا أحياءً، بعد كل عملية قصف. نقع على صورة طفل يبتسم بالحياة، فنعتقد أن أهله محتفلون بعيده، لنتبيّن عند قراءة النص المرفق أن أباه يودّع فلذة كبده الذي سقط ضحية القصف، راضياً بما كُتب له. نجمد لثوانٍ، وربما أكثر، ونضع له إشارة الإعجاب بشجاعته، أو نضغط على ذاك الرسم الأبله للرأس الأصفر، الباكي لإظهار حزننا على ابنه. وكأن الموت صار حدثا عابرا وجزءا من العيش اليومي. وربما تتطوّر ردة فعلنا التضامنية بأن ننشر صورة الطفل/ الشهيد مصحوبةً بما خطّه أبوه، مُضيفين تعليقاً بكائياً، لنبدو وكأننا نُنجِزُ شيئاً في بحر العجز الذي نغوص فيه.
وأحياناً، نسترسل في الكلام، ساعين إلى التأثير على “أصدقاء” قابلين، أو مشكّكين، بهدف أن
“نحصي موتاهم،
ونبكي
عذاباتهم بلا دموع” يستيقظ الإنسان فيهم. ولا نتأخر لنكتشف أنه لا داعي لذلك، فالإنسان لدى هؤلاء مستيقظ فعلاً، ولكن بشقّه غير النظيف، المتملق للعسف، والمجافي للحق والحقيقة. ليس الإنسان بالضرورة إنسانياً، والإنسانية ليست بالضرورة مرتبطةً بما يُسمّى عرفاً الإنسان. هذا البحث عن تحسيس “الآخر” الإنسان لن يُخرجه من قبوله أو تشكيكه المتواطئين، فلنتجاوز هذه المهمة المستحيلة، لأن ضميره بلغ من الإعاقة مبلغاً لا تراجع عنه.
نستمر إذا في حياتنا اليومية، ونشتكي من تراكم الثلوج، أو من تأخر وسائل المواصلات، أو من ضعف شبكة الهاتف. نذهب إلى العمل، ونغرق في تفاصيل اليوم، ونناقش مسألةً محليةً، ترتبط بحاضرنا، ونتفلسف في مسائل عامة، ترتبط بمجتمع حياتنا. لكننا لا ننسى أن نسترق النظر بخجل ووجل إلى أخبارهم. ربما لا نعرفهم شخصياً، لكننا صرنا متعلقين بيومياتهم. نحصي موتاهم، ونبكي عذاباتهم بلا دموع. نمارس عجزنا أمام شاشةٍ تُضيء حالك سديمنا. وكأننا ننتظر موت من تبقى. نعود إلى الصراخ بصمت، فلا حبالنا الصوتية قادرةٌ على النحيب ونشف الدمع في عيوننا. والآخر منا يموت.
ويختار بعض آخر منا نوعاً آخر من حماية الذات، فيبتعد عن الجماعة والعمل الجماعي، ففيهما تشاركية لا حيل له عليها. كما نُسيء لبعضنا، سعياً وراء التطهّر من العجز المتفاقم. وأحياناً، يلتفت بعضنا إلى شتم الآخرين على موقفٍ أو جملة أو رأي، مستعينين على ذلك بالنهل من قاموس التعابير الجارحة، والألفاظ المشحونة طائفياً ومذهبياً وقبلياً وإثنياً. نبحث عن مَشْجَبٍ نُحْمّلهُ كل مآسينا. ننغلق في ظلامية كارهةً للمنطق، ظنّاً منّا بأنها ستجد لنا الحل أو جزءاً منه. والآخر منا يموت.
في صباح آخر، تتوجه السيدة نفسها إلى الأصدقاء في الخارج الذين يتابعون المجازر، ويشعرون بقهرهم وعجزهم. قائلة “يا أهلنا، نحن أيضا عاجزون، وليس بيدنا ما نفعل سوى الوقوف على طابور الموت. نحن نحبكم، فلا تنقطعوا عنا. تواصلكم يمدّنا بالقوة، وبقليل من السعادة. نحن لا نرغب بالموت. ولكن إن كنا نعيش آخر اللحظات، فدعونا نتقاسمها (…)”.
الآخر الذي يموت منا هو نحن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق