أقلام أجنبية

كتاب “نار وغضب”… نهاية “أمير الظلام” ستيف بانون

ترامب لا يأكل سوى وجبات "مكدونالد" لأنه يخشى تسميمه

كان يُطلق عليه لقب “أمير الظلام” خلال ذروة نفوذه في الحكم، وأصبح اليوم مشرّداً سياسياً ينازع للاحتفاظ بوظيفته. نهاية ستيف بانون التراجيدية كانت بعد ارتكاب خطيئتين: فتح معركة شخصية مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وتناسي أن قوته الوحيدة خارج الحكم كانت قربه من الرئيس، والآن خسر كل شيء. فك الائتلاف بين الرجلين له تبعات على سياسات ترامب وتحالفاته الداخلية، وربما أيضاً على سياسات واشنطن الخارجية.
أنهى ترامب مغامرات مستشاره الأسبق بالضربة القاضية عبر بيان مقتضب، الأربعاء الماضي، رفع فيه الغطاء السياسي عن بانون، وفك الائتلاف معه، عبر تحجيم دوره في الحملة الانتخابية، والقول “ليس له علاقة برئاستي”. والنقطة الأهم في رسالة ترامب الدامية كانت الابتعاد عن فلسفة حكم بانون، بالقول إن البيت الأبيض يريد مساعدة مرشحي الكونغرس الجمهوريين على “بناء” الولايات المتحدة “بدلاً من مجرد السعي لإحراقها”، وبالتالي حرّر أعضاء الكونغرس الجمهوريين من ضغوط بانون، الذي كان يسعى لدعم مرشحين محافظين للمنافسة على مقاعدهم في الانتخابات النصفية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.


حاول بانون في الساعات الأخيرة الحد من الضرر، إذ وصف ترامب بأنه رجل جيد


القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لترامب كانت مواقف وتسريبات بانون في كتاب “نار وغضب” للصحافي مايكل وولف، الذي صدر بالأمس، قبل موعده المقرر، في تحدٍ لمحاولات ترامب منع نشر الكتاب الذي وصفه البيت الأبيض بـ”الأكاذيب”، ما أدّى إلى إعطاء اهتمام غير مسبوق للكتاب الذي تصدر خلال ساعات لائحة أكثر الكتب مبيعاً على موقع “أمازون”. وقال ترامب، في تغريدة، “لم أسمح إطلاقاً بدخول مؤلف هذا الكتاب المجنون إلى البيت الأبيض. لم أتحدث إليه أبداً بشأن كتاب. مليء بالأكاذيب والتحريف وبمصادر غير موجودة”. واضاف “انظروا إلى تاريخ هذا الرجل، وشاهدوا ما سيحدث له ولستيف القذر”. ولم يتضح ما إذا كان ترامب يشير إلى بانون أو ستيف روبن رئيس دار “هندري هولت أند كومباني” التي تنشر كتاب وولف. ووجه محامي ترامب، تشارلز هاردر، رسالة إلى الكاتب ودار النشر، جاء فيها أن الكتاب يحتوي “العديد من التصريحات الكاذبة و/ أو التي لا أساس لها” حول ترامب، فيما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، سارة ساندرز، إن الكتاب يتضمن معلومات “غير صحيحة إطلاقاً”. ومع أن الكتاب لا يحمل بالضرورة معلومات جديدة، لكنه يعزز الصورة النمطية عن الرئيس وإدارته. لقد أجرى وولف أكثر من 200 مقابلة مع مسؤولين في دائرة ترامب داخل وخارج الحكم، بحيث أمضى أشهراً يتابع تفاصيل ما يجري داخل البيت الأبيض، في خطوة ليس واضحاً كيف وافق عليها ترامب العام الماضي، مع العلم أن مالك قناة “فوكس”، روبرت مردوك، فعل الأمر ذاته، وحصد كتاباً مليئاً بالفضائح من توقيع وولف أيضاً.

يشير الكتاب إلى أن ترامب لم يكن يتوقع الفوز بالرئاسة، وأنه لا يقرأ الوثائق السياسية التي يوفرها مستشاروه، وغير مهتم بالاطلاع على بنود الدستور، وأنه لا يأكل سوى وجبات “مكدونالد” لأنه يخشى تسميمه. الكتاب يسرد الانقسامات داخل البيت الأبيض، مع التركيز على المعركة الشرسة التي كانت بين بانون من جهة وابنة ترامب، إيفانكا، وزوجها جاريد كوشنر من جهة أخرى، وهي معركة لخّصها هنري كيسينجر في الكتاب بأنها “حرب بين اليهود وغير اليهود”. تطرق الكتاب أيضاً إلى اجتماع دونالد ترامب جونيور في يونيو/حزيران 2016 مع عملاء روس يدعون أن لديهم معلومات عن المرشحة الديمقراطية، هيلاري كلينتون، في خطوة وصفها بانون بأنها “خيانة وغير وطنية”. كما حاول توريط الرئيس عبر التلميح بأن دونالد جونيور أخذ على الأرجح هؤلاء العملاء إلى مكتب والده. والتقى دونالد ترامب جونيور بالمحامية الروسية نتاليا فيسلنيتسكايا في يونيو/حزيران 2016. وحضر أيضاً كوشنر ومدير الحملة الانتخابية آنذاك بول مانافورت، اللقاء الذي عقد في برج ترامب في نيويورك. وينقل الكتاب عن بانون قوله “ظن الرجال الكبار الثلاثة في الحملة أن لقاء حكومة أجنبية في برج ترامب في قاعة المؤتمرات في الطابق الـ25 من دون محامين فكرة جيدة”. ويضيف “لم يكن برفقتهم أي محام”. ويتابع “حتى لو كنت تعتقد أن اللقاء ليس خيانة وليس غير وطني أو قذارة، وأنا أعتقد أنه كل ذلك، كان الأجدى الاتصال بمكتب التحقيقات الفدرالي (اف بي آيه) فوراً”. وينقل الكتاب عن بانون قوله إن التحقيق الذي يجريه المستشار الخاص في قضية التدخل الروسي في انتخابات 2016، روبرت مولر، سيركز على تبييض الأموال.


قدرة بانون على التأثير كانت تتراجع تدريجياً، لا سيما بعدما أمعن في التمجيد الذاتي لحجم دوره السياسي


ويذكر الكتاب أن الرئيس لم يكن يعرف من هو رئيس مجلس النواب السابق، جون باينر، وأن فريقه لم يكن يعتقد أنه قادر على الفوز في الانتخابات. ويقول “بعد الثامنة مساء بقليل ليلة الانتخابات، عندما بدا أن المنحى الذي لم يكن متوقعاً ويشير إلى أن ترامب قد يفوز، أصبح مؤكداً، قال دونالد جونيور لأحد الأصدقاء إن والده، أو كما يناديه اختصاراً دي جي تي، بدا كأنه شاهد شبحاً. وكانت ميلانيا تذرف الدموع. ليس دموع الفرح”. ويضيف “في غضون ما يزيد على الساعة بقليل، وبحسب مشاهدات ستيف بانون المستاء، بدأ ترامب المرتبك يتحول إلى ترامب غير المصدق ثم ترامب المذعور. لكن بقي التحول النهائي: فجأة أصبح دونالد ترامب رجلاً يصدق أنه يستحق أن يكون رئيس الولايات المتحدة، وقادر على أن يكون رئيساً”. ويتطرق الكتاب أيضاً إلى تسريحة شعر ترامب، وينقل عن إيفانكا قولها لأصدقاء إنها على هذا الشكل بسبب تمشيط شعره من الأمام والجانبين باتجاه الأعلى وتثبيته بالرذاذ. ويقول الكتاب إن “اللون، بحسب ما تقول (إيفانكا) وما يثير الضحك، هو بسبب مستحضر اسمه للرجال فقط. كلما ترك على الشعر أصبح داكناً أكثر. وعدم صبر ترامب نتج عنه شعر برتقالي – أشقر”.

ويتحدث الكتاب عن إيفانكا وطموحاتها الرئاسية، موضحاً أنه “بعد مقارنة المخاطر بالمكاسب، قرر جاريد وإيفانكا قبول أدوار في الجناح الغربي (للبيت الأبيض) دون الأخذ بنصيحة كل شخص يعرفونه تقريباً. إنها بطريقة ما وظيفة مشتركة. تعاهدا على أنه إذا سنحت الفرصة في المستقبل، تترشح هي للانتخابات الرئاسية. الرئيسة الأولى، كما تحلو الفكرة لإيفانكا، لن تكون هيلاري كلينتون، بل إيفانكا ترامب”.

واعتبر ترامب أن تعيين محمد بن سلمان في منصب ولي العهد السعودي نصر له، وفق ما نشره كتاب “النار والغضب”. ويقول وولف في كتابه إن ترامب تبجح قائلاً “وضعنا رجلنا في القمة”. كذلك سرّب الصحافي الأميركي جوناثان ليمير في تغريدة على تويتر مقطعاً من الكتاب يقول فيه إن ترامب أخبر أصدقاءه بأنه وصهره جاريد كوشنر قد هندسا انقلاباً في السعودية، وذلك بعد تعيين بن سلمان في منصبه. وكان العاهل السعودي، الملك سلمان، قد عزل الأمير محمد بن نايف عن ولاية العهد لمصلحة ابنه محمد، فيما اعتبر حينها انقلاباً على تقاليد العائلة الحاكمة. وتزامن ذلك أيضاً مع عزل بن نايف من وزارة الداخلية وأجهزة الأمن. وأتت هذه الخطوة بعد نحو شهر من زيارة ترامب إلى السعودية، التي كانت زيارته الخارجية الأولى، والتي وقع فيها عقود أسلحة بمئات مليارات الدولارات. وعندما تولّى بن سلمان ولاية العهد قام ترامب بتهنئته شخصياً. كما أن الرئيس الأميركي أيّد السياسة الخارجية السعودية التي يرسمها محمد بن سلمان تجاه قطر واليمن في تغريداته المتكررة على “تويتر”. وعن الصين، نقل الكتاب عن بانون قوله إن “العدو الحقيقي هي الصين. الصين هي أول جبهة في حرب باردة جديدة. الصين هي كل شيء. لا شيء آخر يهم. إن لم نحسن التعاطي مع الصين، لن ننجح في أي شيء آخر. المسألة سهلة جداً. الصين هي الآن حيث كانت ألمانيا النازية من 1929 إلى 1930. الصينيون كالألمان، أكثر الشعوب منطقية في العالم إلى أن نرى أنهم ليسوا كذلك. وسوف ينقلبون مثل ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي. ستكون هناك دولة قومية مغالية، وعندما يحصل ذلك لا يمكن إعادة الجن إلى القمقم”.

يرى بانون نفسه شبه معزول هذه الأيام بعدما خسر قُربه المفترض من الرئيس. كبار المتمولين المحافظين، مثل روبرت ميرسر، تخلّوا عنه علناً، كما يبحث حالياً أعضاء مجلس إدارة موقع “بريتبارت” المحافظ إذا ما كان يجب طرد بانون من موقعه القيادي في ظل التشنج بينه وبين الرئيس. تنحي بانون يعني عملياً خسارة كل النفوذ السياسي الذي يتمتع به، وبالتالي حاول في الساعات الأخيرة الحد من الضرر، إذ وصف ترامب بأنه “رجل جيد” وأكد التزام موقع “برايتبارت” بدعم الرئيس وبرنامجه. بانون أعطى خلال الحملة الانتخابية بعداً فكرياً لشعارات ترامب، وكان المحرك وراء فوضى الأسابيع الأولى من الإدارة، إذ رأى أنه لا بد من إحداث خضة في المؤسسات الحاكمة تمهيداً لتهميشها أو تعديل توجهها الليبرالي. كان وراء أفكار القومية الاقتصادية والحد من الهجرة والشعبوية المحافظة. واكتسب بانون في تلك الفترة صورة “أمير الظلام” الذي يحرّك “دمية” ترامب في المشاهد الكوميدية لبرنامج “ساترداي نايت لايف”. لكن فشل سياسات الرئيس، خلال الأشهر الأولى من ولايته، أدت لإطلاق معركة شرسة بين بانون وكوشنر، معركة حسمها كبير موظفي البيت الأبيض، الجنرال جون كيلي، الذي أخرج بانون من الإدارة في أغسطس/ آب الماضي. ترامب حافظ على العلاقة بمستشاره، لكن قدرة بانون على التأثير كانت تتراجع تدريجياً مع الوقت، لا سيما بعدما أمعن في التمجيد الذاتي لحجم دوره السياسي خلال مقابلة مع مجلة “فانيتي فير” الشهر الماضي.


ترامب لا يأكل سوى وجبات “مكدونالد” لأنه يخشى تسميمه


الفائز الأول في فك الائتلاف بين الرئيس ومنظره المحافظ هو زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، السيناتور ميتش ماكونيل، الذي تعهد بانون بالسعي إلى إقصائه عن منصبه خلال الانتخابات التشريعية المقبلة. بانون كان يستعد لوجستياً في الفترة الأخيرة لخوض هذه المعركة التشريعية، لكنه بدأ يخسر التمويل والدعم لهذه الجهود. خروج بانون من دائرة التأثير في محيط ترامب يعني أيضاً المرحلة الأخيرة من هجرة ترامب إلى التماهي مع المؤسسة الحاكمة، وسيعزز بذلك رصيده داخل الحزب الجمهوري. بانون يرفض بشدة أي تدخل عسكري أميركي في الخارج، وحتى انتقد علناً انجراف ترامب في تبادل التهديدات مع كوريا الشمالية. وخسارة بانون نفوذه تعني غياب واحد من الضوابط الداخلية في حال قرر الرئيس القيام بمغامرة عسكرية. كذلك سيكون ترامب أكثر حرصاً الآن على إرضاء القاعدة المحافظة لملء فراغ إضعاف بانون، لا سيما أن الرئيس عزز رصيده في الفترة الأخيرة بين هذه القاعدة بعد قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس وإقرار قانون الإصلاح الضريبي. بانون قد يكون سقط، لكن لم ينته دوره، وربما قد يكتسب شرعية العودة إلى الحياة العامة في حال تعثّر ترامب في السنوات المقبلة.

واشنطن ــ جو معكرون

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق