أقلام عربية

جنرال الثرثرة

كما تعرفون، كلامي قليل، بهذه العبارة الكوميدية أطل عبد الفتاح السيسي على الناس، في أحدث مناسبات الثرثرة الوطنية، في أثناء إعلان عن مشروعاته في منطقة قناة السويس، ليؤكد أنه إما منفصل تماماً عن الواقع، بفعل البارانويا التي تملكته، أو أنه يراهن على أن للناس ذاكرة مثقوبة لا تحفظ الأحداث والتواريخ، أو لم يعد أحد يأخذ كلامه على محمل الجد.

تذهب تقديرات المتابعين إلى أن السيسي تحدث، خلال أربع سنوات منذ انقلابه على الحكم، مئات المرات، بين لقاءات مباشرة، في مناسبات صغيرة يفتعلها افتعالاً، وبين مهرجانات استعراضية شديدة البهرجة، ومناسبات دينية ووطنية، محفوظة في التقويم الرسمي، وكلمات على هامش كوارث وأحداث جسام، جلبها حكمه السعيد، بالإضافة إلى تلال من التصريحات السريعة، ومداخلات هاتفية، استجابة لإغواء ريموت كونترول التلفزة، فضلاً عن عدد كبير من الحوارات التلفزيونية والصحافية، المطبوخة في مكتبه.

يخبرنا أرشيف جمال عبد الناصر بأنه تحدث وخطب في الجماهير نحو 1137 مرة خلال 18 عاماً هي كل حياته في الحكم، بمعدّل يزيد قليلاً عن ستين ظهوراً في السنة، شاملة خطبه المناسباتية وتصريحاته الصحافية، في الداخل وفي الخارج، بما يعني في المحصلة أنه كان يتحدث خمس مرات في الشهر الواحد.

ويقول أرشيف أنور السادات إنه تحدث نحو ألف مرة طوال حياته السياسية التي تولى فيها الرئاسة نحو عشر سنوات، مع الأخذ في الاعتبار أنه قبل أن يترأس كان رئيساً لمجلس الأمة ونائباً لرئيس الجمهورية، وهو ما يجعل معدلات كلامه تزيد عن معدلات جمال عبد الناصر.

فيما يخص حسني مبارك لا توجد إحصاءات دقيقة، أو تقريبية، عن عدد خطاباته وتصريحاته، غير أن الشاهد من المتابعة لثلاثين عاماً، أمضاها في السلطة، أن معدلات الكلام عنده كانت لا تزيد كثيراً عن سابقيه، ذلك أنه لا الكاريزما الجماهيرية، ولا لغته وثقافته، كانتا تؤهلانه لأن يكون ذلك الخطيب المفوّه الذي تطرب له أذان الجمهور.

في الشهور المعدودة التي أمضاها الدكتور محمد مرسي رئيساً، كان متهماً بأنه لا يتحدث كثيراً لمصارحة الجماهير بما يجري في البلاد، ومن ثم لا يصح وضعه في المقارنة مع غيره، بالنظر إلى أن فترة وجوده في السلطة مرّت خاطفة.

مع عبد الفتاح السيسي، يبدو الأمر مختلفاً، حيث لا يتوقف عن الثرثرة منذ أربع سنوات، بما يؤهله ليكون صاحب رقم قياسي في الخطب، الفارغة من أي مضمون جاد، ذلك أنه، وكما وصفته من قبل، هو مطرب الأغنية اليتيمة، يسلك مثل مطرب مناسبات بائس، يردّد أغنية وحيدة، يتيمة، في ما يدعو إليه، أو يحضره، من مؤتمراتٍ، بلا تغيير في الكلمات والألحان والتوزيع: الحكومة المصرية تحارب الإرهاب والعالم يعاني من الإرهاب.. إذن، كافئوا الحكومة المصرية، وامنحوني القناطير المقنطرة من الأرز والأباتشي والصور الرسمية، وأنا أمشي على البساط الأحمر.

يهتف السيسي طوال الوقت: أنا رئيس، أرتدي ملابس الرئيس، وأركب طائرة الرئيس، وأعلّق عليها ملصقي المفضّل “تحيا مصر”، ولو استطعت لعلّقت في مقدمتها سلّة من الفاكهة الاصطناعية، وعباراتٍ تمنع الحسد، كما يفعل سائقو سيارات الأجرة، حين يمتلكونها بعد معاناة.

طوال الوقت يقول للسيسي للمصريين “ما تسمعوش كلام حد اسمعوا كلامي أنا بس”، ما يجعله نموذجا للمصاب بلوثة الميكروفون والكاميرا، يسعى إليهما حثيثاً، إن لم يكن عقب كل حادثة إرهابية، وهي بالعشرات في عهده، فخلال استعراضٍ سخيف للجري أو ركوب الدراجات، أو مؤتمرات شباب، يمتطي فيها الميكروفون، بسعادة طفلٍ حصل على درّاجة بعد طول حرمان، فيدور بها في الشوارع والأزقة، محدثاً جلبةً صوتيةً وضوئية، معلناً: أنا صاحب الدرّاجة.

الواقع ينطق بأنه الحاكم الثرثار، من دون منافس.

وائل قنديل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق