ادب

شريعة الغاب.. الأخرى

قد يكون من أجمل هدايا نهاية هذا العام اكتشاف حقيقة علمية جديدة، تبدّل نظرتنا السلبية والمتشائمة إلى الطبيعة بشكل عام، والطبيعة البشرية بشكل خاص. الحقيقة العلمية هذه شقّت طريقها، تدريجيا وبثبات، من خلال نشر عدة كتبٍ، لن يكون آخرها مؤلَّفُ “التعاون، شريعة الغاب الأخرى” (2017) الذي وضعه عالما الأحياء الفرنسيان، بابلو سيرفينيو وغوتييه شابيل. وفيه تطرّقا إلى حقولٍ علميةٍ وإنسانيةٍ واجتماعية شتى، تثبت نظريتهما القائلة بوجود شريعة غابٍ مختلفة عن تلك الشائعة والسائدة.
تقول شريعة الغاب التي نعرف إن البقاء للأقوى، وإن المنافسة الشرسة هي القانون الذي يحكمنا كمخلوقات. فالقوي يأكل الضعيف، والسريع يأكل البطيء، والكبير الصغير، حتى النباتات تتنافس في ما بينها لكي تبلغ النور. هكذا يتبدّى لنا الكونُ مكانا عدائيا، قاسيا، عنيفا، لا مكان فيه للرحمة أو للتعاطف أو التعاضد، تنتشر فيه الفوضى المدمّرة، ويسوده البطش والقتل والنزاعات. إنها “حرب الجميع ضد الجميع”، بحسب العبارة الشهيرة لأحد آباء الليبرالية، الفيلسوف توماس هوبس.
هذا ويرى الكاتبان أن الأساطير، لكثرة تردادها، تتحوّل حقيقةً، وأن الثقافة الغربية، لكثرة ولعها بالمنافسة، قد تخلّت عن جانبها المعطاء، المحبّ وغير الأناني، بحيث ما عاد أحدٌ يؤمن بإمكانية التعاضد ما بين البشر، وإلا اعتُبر بسيط العقل، ساذجا. ومع ذلك، فهما يقترحان رؤية أخرى للعيش معا، تستند إلى التعاون. وإذ يفعلان، يستحضران أمثلة عديدة من كل أشكال الحياة، بدءا بالبكتيريا وصولا إلى المجتمعات البشرية، مرورا بالحيوان والنبات، تثبت أن المخلوقات التي تتغلّب، بأفضل شكلٍ، على شروط البقاء الصعبة، ليست بالضرورة الأقوى، وإنما هي التي تتعاون وتتساعد الأكثر في ما بينها. هكذا يتكشّف لنا أن نظرة مجتمعاتنا إلى الطبيعة نظرة مغلوطة ومشوّشة، طالما أن التساعد والتعاون شكّلا ويشكلان إحدى الغرائز الإنسانية الموجودة منذ أزمنة سحيقة. وفي جولةٍ كبيرةٍ على المعارف الإنسانية والاكتشافات العلمية الأكثر حداثةً، كعلم سلوك الحيوان والأنثروبولوجيا وعلم الاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع والعلوم العصبية، إلخ، يُظهر الكاتبان آليات ومبادئ ما سمّياها “شريعة الغاب الأخرى” التي ما عاد ممكنا بعد الآن إغفالها أو دحضها، مركّزين تحديدا على أن هذه الظاهرة من أهم محرّكات التقدّم البشري وأقواها، متسائلين عن السبب الذي يجعل شخصين يتعاونان، أو عن كيفية إيجاد تعاضدٍ بين مجموعاتٍ صغيرة، أو لماذا لا يتمكّن البشر من التعاون على المستوى العالمي لتخليص الكرة الأرضية من بعض مشكلاتها البيئية الخطيرة.
وإن كان هذا الكتاب الاستثنائي يشكّل دراسةً وافيةً لمختلف أنماط التعاون لدى مختلف الكائنات الحية، فإن أهميته تكمن أيضا، وخصوصا في مصالحة نظرتين أو مفهومين متناقضين: فهناك، من ناحية، المفهوم الذي يرى إلى البشر صنفا فريدا ومنفصلا عن سائر الكائنات الحية. ومن جهة أخرى، المفهوم القائل باستمرارية بيولوجية بين الكائن البشري والعالم الحيّ.
لقد أوصلت إيديولوجيا “شريعة الغاب”، حيث المنافسة هي القانون والغلبة للأقوى، المجتمعاتِ الحديثة إلى حائط مسدود، إن لم يكن إلى الهاوية. فالإنسان فيها بائس، والبيئة تعاني، والتفاوت الطبقي إلى اتّساع، والنزاعات السياسية والاجتماعية إلى تزايد، والأزمات المالية، والتلوّث على اختلاف أنواعه، والحروب، والمجاعات، .. إلخ، إلى تكاثر وانتشار، كأنما قرّرت حضارتنا الغبية السير برمّتها إلى انهيارها المحتوم. فهل ما زال ممكنا عكس الاتجاه؟ يتساءل سيرفينيو وشابيل، أما زال بالإمكان خلق مجتمعات متآخية وعادلة؟ في مطلق الأحوال، يخلص الكاتبان إلى القول إن تحدّي السنوات المقبلة يقوم على استيعاب ما نملكه من إمكاناتٍ للتعاون معا، على مقدرتنا على الإيمان بذلك، والإفادة منه، بهدف تحويله إلى أسلوب عيشٍ وسلاح إنقاذ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق