ادب

الجنيدي يبلغ الحلم

دعك من العصابة المشدودة على عينيّ، فأنا ابنك يا أبي، أنا فوزي الجنيدي، المحاط باثنين وعشرين قزمًا يسمون، عرضًا، “جنودًا”.
نعم، أنا “العملاق” الذي دخل جزيرة “الأقزام”، يا أبي، غير أنني دخلتها عن سبق ترصّد وتصميم، لا عن ضياع أو خطأ، بل لأبرهن لكم أن هؤلاء المدجّجين بالصلافة والأسلحة، ليسوا أكثر من أرانب مفزوعة من ظلالها.
لكن، قبل هذا وذاك، أجدني مدينًا لك باعتذارٍ، يا أبي، فأنت لم تزل تنظر إليّ بوصفي فتى “لم يبلغ الحلم بعد”، وكم كنت أودّ، قبل الآن، أن أخبرك بأنني فعلت، وبلغت “الحلم” وولجته من أوسع أبوابه، أعني منذ عرفت أن الحلم هو فلسطين ذاتها، فصرت مكتمل الحلم والرجولة معًا، ولربما كان انهماكي المتواصل في قيادة التظاهرات ورجم الأقزام بالحجارة هو ما حتّم علي تأجيل زف النبأ السعيد لك.
المهم، يا أبي، لا يخامرنك أدنى شكٌّ، بأنني فتاك الصغير؛ لأنني واثقٌ أننا، نحن الفلسطينيين، لا نحتاج أعينًا لنرى تضاريس الوطن، أو لنفرّق بين الصديق والعدو، بل نرى بحدوسنا، وفي وسعنا أن نغربل الدنيا كلها، في تظاهرةٍ واحدةٍ، إن شئنا، ولا أدري كيف اعتقد هؤلاء الأقزام المحيطون بي أنهم يمنعون عني الرؤية بلفّ عصابةٍ على عينيّ.
قل لهم، يا أبي، إن في وسعي أن أحرث تراب فلسطين كلها، وأنا مغمض عينيّ. وفي مقدوري أن أتجول في أزقة الخليل وشوارعها وأحيائها، والعصابة مشدودةٌ على رأسي، وأستطيع أن أعدهم، قزمًا قزمًا من حولي وأنا ضرير.. أليسوا اثنين وعشرين “جنديًا”، أعني “قزمًا”، هؤلاء المحتفلون بـ”الغنيمة”؟
ربما كان أكثر ما استوقفني في صبيحة القبض علي، يا أبي، هو هذا الرقم 22 الذي يتكرّر مرارًا أمامي، وقد تساءلت إن كان الأمر مصادفة، أن يكون عدد الأقزام الذين يحاصرونني مماثلًا لعدد آخرين يحاصرون أحلامنا كلها، ويشدّون وثاق أعيننا بـ”عصابات”.. و”عصابات” كي يحجبوا شمس الحرية عنا، ويحشروا شعوبهم العملاقة في أقبية الاستبداد والقمع، لتدوم لهم عروشهم المهترئة.
ما الفرق يا أبي بين “أقزام” هنا و”أقزام” هناك إذا كان الحصار واحدًا، والعملاق واحدًا؟.. ربما الفرق الوحيد أن ثمة كاميرات هنا تجسّد لحظة القبض على العملاق، فيما تحرم تلك الشعوب من حقها بلقطة تصوير واحدة، ذلك أن الكاميرات الأجنبية ذاتها متواطئة مع هؤلاء الذين لا همّ لهم غير التقاط صورهم وهم يؤدون رقصات “العرصة” مع دونالد ترامب، مانحين إياه سيوفهم وأعناقهم معًا.
لك أن تفخر، يا أبي، بفتاك الذي لم يرتجف ولو وهلة بينهم، بل كنت رافعًا رأسي إلى الشمس، التي بدت حزينةً في ذلك النهار. أتعلم لماذا؟ لأنها اعتادت أن تستمدّ ضوءها من عينيّ كل صباحٍ من صباحات التحدي، لكن في ذلك اليوم، بالذات، بحثتْ عن عينيّ فلم تجدهما. ولذا كنت أهمس لها أنني أقود مظاهرةً من نوع مختلف، قلت لها أنا أقود الآن قطيع فئرانٍ مفزوعة، لو خيرت بين “الغنيمة والإياب”، لاختارت الإياب إلى أبعد جحرٍ في الأرض على “غنيمةٍ” تعلم جيدًا أنها عبوة ناسفة مؤجلة إلى انفجار ليس بعيدا، وأن أعظم أغلاطها كانت منذ جازفت بدخول “أرض العمالقة”، وفي ظنها أن هذا الشعب لا بد أن يخضع يومًا لشروط الأقزام.
قل لهم، يا أبي، إنني كبرت وبلغت الحلم، ولم يبق كثير وقتٍ لهم، لأن الجسد الفلسطيني يولد مكتمل الحلم والتحدّي مع أول شهقة حياةٍ خارج الرحم، ويولد مكتمل البصيرة، ولو اجتمعت عليه “عصابات” الكون برمته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق