التحليل السياسي

الصين واستراتيجية الأمن الأميركية

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قبل أيام، استراتيجية بلاده للأمن القومي للعام 2018، مكونة من أربعة فصول، تتناول “حماية أرض الوطن، وتعزيز الرخاء الأميركي، والحفاظ على السلام عبر القوة، وتوطيد المصالح الأميركية”، فيما لخصها ترامب بقوله “نحن أمام أهم ثلاثة مخاطر: جهود الصين وروسيا، والدول المارقة إيران وكوريا الشمالية، والتنظيمات الإرهابية الدولية الساعية إلى القيام بأعمال قتالية نشطة ضد الولايات المتحدة”.
هكذا، حدّد ترامب مسارات الاستمرار ومسارات التجديد في سياسته، مقارنةً بأسلافه، وما عهده العالم من السلوك الأميركي خلال العقود الأخيرة. وإذا كانت مواصلة الادّعاء بمحاربة الإرهاب أساساً للسياسة الأميركية، فإن ثمّة تغييرات واضحة في علاقة الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب، مع إيران، كما هو معروف بشأن ملفها النووي، لكن التغيير الأكبر هو التعاطي مع روسيا والصين، والتصريح بأن جهودهما في تعظيم حضورهما العالمي يشكل خطراً داهماً على أميركا.
عاد ترامب من زيارة رسمية إلى الصين قبل شهرين، تباهى في أثنائها بإتقان حفيدته اللغة الصينية، وتمكّنها من الغناء بالمندرينية (الصينية الرسمية: لغة شمال الصين)، لكن تلك الأجواء الودية التي اتسم بها لقاؤه في بكين مع الرئيس الصيني، شي جين بينغ، تبدو في طريقها إلى أن تتبدد مع هذا الإعلان الأميركي الجديد، الواضح في عدائيته للصين، والذي ردّت عليه المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، في اليوم نفسه، بقولها إن الصين تحث الولايات المتحدة على وقف التشويه المتعمد للنوايا الاستراتيجية للصين، والتخلي عن المفاهيم العتيقة، مثل الحرب الباردة، لأنها بذلك تضر نفسها والآخرين. مشيرة إلى أن الصين لن تسعى إلى تطوير نفسها على حساب مصالح الدول الأخرى، لكنها، في الوقت نفسه، لن تتخلى عن حقوقها ومصالحها المشروعة.
والحال أن ما عهدته العلاقات الأميركية مع روسيا من تنافسيةٍ سياسيةٍ معلنة، في السنوات الأخيرة، وخصوصاً منذ قضية جزيرة القرم في 2014، والتي ظلت الصين في معزل عنها إلى حد كبير، لأن تنافسيتها مع أميركا انحصرت في الملفات التجارية، يبدو أنها ستنسحب في ظل إدارة ترامب على الصين أيضاً، وذلك ليس مستغرباً، إذ كان ترامب قد كثّف، خلال حملته الانتخابية، الحديث عن خططه الاقتصادية المبنية على استهداف الصين والمكسيك، عبر سحب الاستثمارات منها، وهو ما يهدّد مجمل التوازن الذي ظل سائداً عقودا في علاقة الولايات المتحدة والصين.
يحدث هذا، بالطبع، في وقتٍ أعاد الحزب الشيوعي الصيني (الحاكم) انتخاب رئيس البلاد، شي جين بينغ، أميناً عاماً له لدورة ثانية، مدتها خمس سنوات، تمهد بالضرورة لإعادة انتخابه بعد ثلاثة شهور رئيساً للصين للمدة نفسها. وهكذا، فإن استراتيجية شي، المسماة “خطة الطريق والحزام”، تجد في طريقها اليوم تحدياتٍ كبرى، تتمثل في عدم رضى الولايات المتحدة عما تريد تلك الخطة تحقيقه من حضور أقوى للصين في محيطها الجغرافي، وصولاً إلى أوروبا الشرقية، حتى لو كان ذلك الحضور المستهدف المعلن يتركز في العلاقات الاقتصادية والإنسانية والثقافية، ذلك أن الولايات المتحدة تدرك أن الصين تهم اليوم بالخطو خارج حدودها، فاتحة الباب لحجز مكانةٍ جديدة لها في العالم خلال العقود الثلاثة المقبلة، وهو ما لم يكن ممكنا تلافي أن تلاقيه الولايات المتحدة بغير التصدي الحازم.
أما أوجه ذلك التصدّي، فلا بد أن تتجاوز ما اعتادته المواجهة بين البلدين، والمتمحورة حول إشغال الصين بمشكلاتٍ مع جيرانها الجنوبيين، كالفيليبين، تفتعلها الولايات المتحدة، في بحر الصين الجنوبي، والمنافسة التجارية غير الشريفة؛ كإطلاق الشائعات الأميركية عن الصناعات الصينية، وتغيير الحكومة الصينية سعر صرف عملتها بقيمٍ لا تعكس الواقع، والتصادم في المؤسسات الاقتصادية الدولية والاتفاقيات المنبثقة منها. ربما تشهد آسيا وأوروبا الشرقية تجييشاً أميركياً ضد الصين، مثلاً، بشكلٍ يقوّض خطة الطريق والحزام، وربما ترد الصين بتغيير استراتيجيتها مع كوريا الشمالية، القائمة على حثها على التهدئة في تصعيدها ضد الولايات المتحدة، ما يغيّر قبل الأوان، شكل العالم الذي نعرفه، فالحقيقة الراسخة أن رئيساً مثل ترامب، لا يمكن التنبؤ من سلوكه سوى بأنه ماضٍ في تغيير العالم نحو الأسوأ!

سامر خير أحمد

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق