عندما يحكي أوليفييه روا

  • 15 ايام قبل
  • 0

صدر قبل أقل من شهرين كتاب جديد عن الباحث الفرنسي المتخصص في سوسيولوجيا الأديان وحركات الإسلام السياسي، أوليفييه روا، عن دار نشر جامعة كولومبيا في أميركا. لاحظ أن الكتاب ليس لروا، وإنما عنه، وهو المعروف بإنتاجه المعرفي الغزير، والكتاب مقابلة مطولة تتجاوز 150 صفحة أجراها معه الصحافي الفرنسي، جان لويس تشيلغل، وهو أشبه ما يكون بسيرة ذاتية غير منقحة، يرويها روا على شكل أسئلة وأجوبة أو حوار معه. يتناول الكتاب الجوانب الشخصية والبحثية لروا، وكيف جاء اهتمامه بموضوع الإسلام، وتحديداً الإسلام السياسي.
يتناول الكتاب حياة أوليفييه روا، ليس من منظور بحثي، أو أكاديمي، كما جرت العادة في مثل هذه الكتب، وإنما من منظور شخص رحّالة يعشق السفر والتعرف على مجتمعات وثقافات جديدة. ومن واقع معايشة لمجتمعات الشرق التي كان لديه شغف كبير بالتعرّف عليها. محطات كثيرة لافتة في حياة الرحالة الأنثروبولوجي من مدارس باريس، مرورا بشوارع اسطنبول في تركيا، إلى جبال أفغانستان، ومدن وسط آسيا، انتهاء بالعالم العربي. وهي رحلة عكسها عنوان الكتاب “في البحث عن الشرق المفقود”.
جاء روا إلى الشرق، وتحديداً أفغانستان، في مايو/ أيار 1969، وهو في التاسعة عشرة عاما من عمره، بعدما أتم دراسته في مدرسة الليسيه الكبيرة، وذلك من أجل ممارسة هواية “الترحال” في شوارع كابول وجبالها، بعدما سمع عنها حكاياتٍ كثيرة من الأصدقاء، عندما زار تركيا في الصيف الذي سبقه.
بدأ روا رحلته لاستكشاف الشرق، مع مجموعة من الرحالة، من تركيا مروراً بطهران وصولاً إلى أحياء كابول التي كانت تضج بالحياة أوائل السبعينات، حسبما يشير في الكتاب. وكان قد بدأ في تعلم الفارسية، عندما كان في المدرسة الثانوية، وكان يرغب في ممارسة اللغة الجديدة في مناطقها، كي يتقنها بطلاقة، كما يوضح في الكتاب. لم يذهب روا إلى أفغانستان، بحثا عن الحشيش، كما كان يفعل أقرانه بعد موجة الانفتاح التي جسدتها ثقافة “الهيبز” آنذاك أواخر الستينات، وهو الذي يقول عن نفسه إنه لم يسع إلى تقليدهم، سواء في شعورهم الطويلة أو في خروجهم عن المألوف أو جنونهم بالموسيقي، وإنما كان يبحث عن سحر الشرق المفقود الذي قرأ عنه في كتبه المدرسية.
بعدما وصل فوج الرحالة إلى مدينة هيرات، يقول روا، إنه قرّر أن يتركهم، ويبدأ رحلته الاستكشافية وحده، وأن تطأ أقدامه شوارع وطرقات ومدنا لم يصل إليها شخص أبيض قبله. إنه شغف المعرفة الذي كان يحرّك روا في رحلته إلى أفغانستان، وهو ما حدث، عندما وصل إلى مقاطعة نورستان في شرق أفغانستان، والتي تتميز بطبيعتها الخلابة، وبجذبها السياح الذين يمارسون هواية الصيد. تنقل روا بين قرى أفغانستان، واستضافته عائلاتها الفقيرة، والكريمة في الوقت نفسه، حسبما يصفهم.
خلال الثمانينات، بدأ روا جولة أخرى لاستكشاف الشرق، ولكن من بلدان آسيا الوسطى التي ذهب إليها، هذه المرة، في وظيفة رسمية. وبعدها بدأ في التركيز على مجال البحث والكتابة، خصوصا عن الإسلام والإسلاميين. وقد أصبحت كتبه وأبحاثه، في هذا الصدد، علامة مميزة لباحثين كثيرين مهتمين بسوسيولوحيا الإسلام والحركات الإسلامية، بدءا من كتابه الشهير “فشل الإسلام السياسي” الذي صدر أوائل التسعينات من القرن الماضي، والذي أثار ضجة كبيرة وقتها، وانتهاء بكتاباته عن العنف والراديكالية في فرنسا وأوروبا.
قد يختلف الباحثون حول بعض أفكار روا، لكن لا أحد ينكر إسهامه ودوره في تفكيك الظاهرة الإسلامية، ليس فقط من خلال الكتابة، وإنما أيضا من خلال المعايشة الأنثروبولوجية. وقد التقيت روا في مناسبات عديدة، وتناولنا العشاء في أكثر من مدينة أوروبية خلال السنوات القليلة الماضية، وفي كل مرة أجده متقد الذهن، سريع البديهة، ومتجدّد الفكر والطرح.

المصدر

  • facebook
  • googleplus
  • twitter
  • linkedin
  • linkedin
  • linkedin
الرجوع «
التالي »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *