ادب

شعر المتنبي.. حينما تسكرك الكلمات

ألا إن شعر المتنبي جيد جودة الخمر الجيدة، جميلٌ جمال الغواني الغاويات، ساحرٌ سحر بابل. كون الخمر حراماً لا يعني أن معاقريها لا ينتشون غبطةً، وكون التبغ قاتلاً لا يعني أنه لا يوهم مدخنيه بالمتعة.

إن المتنبي هو داعية الفخر الأول في المخيلة العربية، وهو حادي الإنتلجلسيا المداهنة للحكام، وإمام المتكسبين بأقلامهم وألسنتهم. ولئن كان شعره من أشد الشعر العربي تأثيراً على المثقفين العرب على مر العصور، فإني أشهد بأن ذلك الشعر، من الناحية القيمية والأخلاقية، أشدُّ ضرراً، على الأخلاق السوية، والقيم الإنسانية، من ضرر الخمر والتبغ والأبيضين على الصحة. وهو بذلك بعيد كل البعد عن الحكمة التي لا ينالها إلا المتواضعون لله ولخلق الله. ولا غرو أن نسبة الحكمة إلى أبي الطيب المتنبي هي أكبر أكذوبة في تاريخ النقد الأدبي العربي.

ما أهلك العرب إلا العجب، وما ابتعدوا عن جوهر الدين إلا بعد أن صار الفخر عندهم مستساغا، ناسين أن ذرة من الكبر تدخلهم النار، وأن الفخر هو الكبر بعينه. لم يرد الفخر في القرآن إلا مقروناً ببغض الله للمتصفين به، ولم يرد في السنة إلا منفياً ممقوتاً. كل فخور لا يحبه الله، بلا استثناء.

إن سيرة المتنبي ومبادئه وشعره، يناقض التواضع الذي هو جوهر دين الإسلام. فكأنما جاء شعره ليناقض ما يدعو إليه الإسلام

هل تعلمون أن العنصرية هي أول جناية في الكون؟ أجل، فقد سبقت القتل. عندما خلق الله آدم كان واجباً على الملائكة أن يسجدوا لله تكريماً لهذا الخلق. فسجد الملائكة كلهم أجمعين إلا إبليس، مبرراً رفضه السجود لخالقه بأن المسجود من أجله أدنى عنصراً منه. فآلى إبليس على نفسه أن يحارب آدم عمرَه، لا ليقتله، بل ليورده الجحيم. فأعد إبليس مؤامرة أبدية لبلوغ تلك الغاية. ومن أهم إستراتيجيات إبليس غرس العجب والكبر في القلوب، والفخر في الألسنة، والخيلاء في السمت، والاستعلاء في المعاملة. تلكم هي المؤامرة الحقيقية، التي ليست بنظرية. يعلم إبليس أن العجب أصل أدواء القلوب. فما إنْ يعربد العجب في قلوبنا حتى تضج جوارحنا بجميع الأدواء القاتلة: الفخر والخيلاء، وحب الرئاسة، وحب المال، وحب السمعة، والغطرسة، والطغيان، والبغضاء، والحرب، فالهلاك.

إن سيرة المتنبي، ومبادئه، أو عدمها، وشعره، وما يمثله في المخيلة الأدبية العربية، كل ذلك يناقض التواضع، الذي هو جوهر دين الإسلام. فكأنما جاء شعر المتنبي، وما شاكله من الشعر والنثر، ليناقض ما يدعو إليه الإسلام من التواضع والإخبات، وبذلك يضمن إبليس إفراغ إسلامنا من محتواه، فيغدو الإسلام شعاراً فارغا للعصبية القومية والتباغض الكوني.

لا شك أن شعر المتنبي، في حقيقة أمره، يجعلنا نتوه عن الحكمة، ذلك الخير الكثير، فننسبها إلى رجل يشيع فينا جميعاً الاعتداد بالأنا، والتيه والخيلاء، ويرى الكون كله والدهر كله تحت خدمته هو، رجل يبغض الناس جميعاً ويتمنى أن يُروي رمحه من دمائهم بلا رحمة (ومن عرف الإيام معرفتي بها وبالناس روى رمحه غير راحم)، رجل يشيع البغضاء بتعيير الناس بألوانهم وأصولهم (من علم الأسود المخصي مكرمة؟)، رجل أعطاه الله البيان فسخره لنيل وطره من حب المال وحب الرئاسة؛ وتعلمون أن حب المال وحب الرئاسة هما الذئبان الجائعان اللذان يقضيان على الدين كما ورد في الحديث الشريف.

كان المتني يريد المال وأكثر منه الولايةَ والحكم. ولم يكن يهمه صلاح الحاكم ولا رفاه الرعية. فهو يمدح من أعطاه ويهجو من حرمه. رفع بشعره سيف الدولة، الأمير العربي، فوق ما يستحق، ثم أيس منه فهجره إلى كافور الأخشيدي، العبد الأسود النوبي. وفي الحقيقة لم يكن يهمه لون الحاكم ولا أصله ولا نسبه، ولا صلاحه ولا أخلاقه، فقد كان أكثر انتهازيةً من أن يهتم لذلك. فجاء إلى كافور وهو مستعدٌ لأن يبيع الأهل والأحبة والوطن في مقابل إرضاء غروره بالحصول على المال والمنصب:

إذا ترك الإنســان أهــــلاً وراءه    ويمّم كافــــوراً فما يتغــربُ
فإن لم يكن إلا أبو المسك أو هم     فإنك أحلى في فؤادي وأعذب
وكل امرئ يولي الجميل محبب    وكل مكان ينبت العز طيب

 

لقد ظلم المتنبي كافوراً، ذلك الحاكم الصالح، الذي كان سيظل في إرثنا، لولا تشويه المتنبي لصورته، نموذجاً فريداً، على غرار عنترة بن شداد

في البيت الأخير يؤسس المتنبي لـ “ميكيافيلية المثقف حيال السلطة”، ويستن لمن يأتي بعده من المثقفين تحقيق المصلحة الذاتية شرطاً للولاء للحاكم. فمعنى البيت، الذي يراه الغافلون نبيلاً، إنما قصد به المتنبي أن الحصول على العطاء هو شرط الرضا عن الحاكم. فليس المهم سيرة السلطان ولا أخلاقه ولا تحقيقه لمصالح الرعية، وإنما المهم أن يغدق العطايا والمناصب على “الصفوة المثقفة” من حوله.

فإن حصل هؤلاء على نصيب يشبع رغباتهم ويرضي غرورهم من “الثروة والسلطة” صار السلطان حبيباً، وصار بلاط السلطان طيباً لأنه يُنبت لهم عز دنياهم. ومتى نال الشاعر مبتغاه من الملك، حُقّ أن تسجد له الرعية، بل ملوك الأرض قاطبة:

تَظَلّ مُلُوكُ الأرْض خاشعَةً لَه     تُفارِقُهُ هَلْكَى وَتَلقاهُ سُجّدَا

أغدق كافور المال على المتنبي، لكن الأخير كان يريد، فوق ذلك، أن يمكنه كافور من رقاب الناس حاكماً. لم يلبِّ كافور رغبة المتنبي، فترك الأخير التلميح مضطراً إلى التصريح:

أبا المسك هل في الكأس فضل أناله     فإني أغني منذ حين وتشــرب
إذا لم تُنط بي ضـــيعة أو ولايــة       فجودك يكسوني وشغلك يسلب

     

في البيت الأول بلغ المتنبي حضيض التذلل حتى رأيناه يمدّ يديه متسولاً، ولم يكن له حياء يمنعه من طلب فضالة سلطةٍ يسد بها جوع غروره، ويرضي بها كِبْراً في نفسه. لكنّ كافوراً كان حصيفاً، فأبى وسدّ عليه الطريق. كان كافور يعرف المتنبي حق المعرفة، ويدرك أنه لا تهمه مصلحة الرعية، وإنما مصلحته الشخصية؛ ويقال إنّ كافوراً أسرَّ لبعض خاصته كلاماً فحواه “أن المتنبئ ادعى النبوة وهو بلا ولاية، فماذا سوف يفعل لو حصل عليها؟”.

لقد ظلم المتنبئ كافوراً، ذلك الحاكم الصالح، الذي كان سيظل في إرثنا، لولا تشويه المتنبئ لصورته، نموذجاً فريداً، على غرار عنترة بن شداد، في التنمية الذاتية. فقد انتقل كافور من الرق إلى الملك بعلو همته، وبتخلصه من الحقد والعقد، وبإمتلاء قلبه بالمحبة والمسامحة. وقدم لنا كافور، قبل ألف عام، النموذج الأمثل في التعامل مع عقدة اللون والعرق والتفرقة العنصرية. فقد أُثرت عنه مقولة هي، عندي، أحكم من شعر المتنبي كله “من كافور العبد الأسود! ومن سيده الحر الأبيض! ومَن الخلق أجمعون! كلنا متلاشون”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق