أقلام عربية

إشعال فَتيل حَرب كركوك والاشتباكات تَتصاعد.. الأكراد يَحشِدون ويَعتبرونها مسألةَ “حياةٍ أو مَوت”.. هل تمرّدت القيادة العَسكريّة العراقيّة على “سِلميّة” العبادي؟ وماذا عن تهديدات الحَشد الشّعبي؟ وهل يَصل التّقسيم إلى كُردستان أيضًا؟

ربّما تكون حِدّة الاهتمام باستفتاء كردستان العراق وتَبِعاته السياسيّة قد خفّت قليلاً، مثل أيّ حدثٍ آخر، ففي البداية يَحتل العَناوين الرئيسيّة ثم يَتراجع تدريجيًّا إلى الصّفحات الداخليّة، ولكن الانتقال إلى المَرحلة العَسكريّة الأخطر ربّما بات وشيكًا، إن لم يَكن قد حَدث بالفِعل، والمِحور الرئيسي هو مدينة كركوك حيث تتصاعد التّحشيدات للقوّات من قِبل الجانبين، أي الحُكومة الاتحاديّة العراقيّة، ورئاسة الإقليم.
الأكراد يقولون أن كركوك هي “قُدسهم”، ولا يُمكن أن يقوم إقليم مُستقل لكردستان العراق دون أن تكون عاصمته، ولذلك سيُدافعون عن سِيادتهم عليها حتى المَوت، ويبدو أن الأخير، أي “المَوت”، سَيكون الأكثر ترجيحًا، لكل من يَنخرط في هذهِ الحَرب.
السيد حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي، قال أنه لا يَعتزم الذّهاب لما هو أبعد من التحرّك السياسي، وشَنّ هُجومٍ عسكريٍّ على الإقليم، لكن الحُشودات العسكريّة التي تتدفّق نحو كركوك تَشي بعَكس ذلك تمامًا، بالنّظر إلى استعادة القوّات الرسميّة العراقيّة اليوم الجمعة عدّة مواقع سَيطرت عليها قوّات البشمرغة الكُرديّة قبل ثلاث سنوات في محافظة كركوك في حزيران (يونيو) عام 2014 بعد انهيار وحدات من الجيش العراقي في المُوصل وما حَولها، واستيلاء “الدولة الإسلاميّة” عليها.
القيادة العسكريّة العراقيّة قالت اليوم أنها أمرت بحُشوداتٍ كبيرةٍ استعدادًا لاقتحام كركوك، ولا نَعرف ما إذا كانت هذهِ الخُطوة تأتي بتعليماتٍ من السيد العبادي، أو تُشكّل تمرّدًا على نَهجه السّلمي المُعلن.
قوّات الحَشد الشّعبي المُكوّنة من عدّة فصائل عراقيّة، وذات أغلبيّة شيعيّة، تَزحف بالآلاف حاليًّا نحو كركوك للمُشاركةِ في اقتحامها، والسّيطرة على آبارِ النّفط فيها.
هيمن هورامي، كبير مُساعدي السيد مسعود بارزاني، رئيس الإقليم، قال أن هناك عشرات الآلاف من الجنود الأكراد يَتمركزون حاليًّا في كركوك استعدادًا للدّفاع عنها والتصدّي لأيِّ هُجومٍ مُحتملٍ من قِبل قوّات الحَشد الشّعبي والجيش العراقي.
كركوك مدينة مُختلطة من العرب والأكراد والتركمان والآشوريين وغيرهم، وجَرى شَملها في الاستفتاء الأخير في تحدٍّ للدّستور العراقي والحُكومة المَركزيّة في بغداد، ويُصر السيد البرزاني على هَويّتها الكُرديّة، واعتبارها جُزءًا أساسيًّا من إقليم كردستان، ويَبلغ حَجم إنتاج النّفط فيها أكثر من نِصف مليون برميل يوميًّا تُصدّر مُعظمها، إلى جانب مصادر أُخرى، عبر خط أنابيب نفط يَمتد إلى ميناء جيهان التركي، وتَذهب هذهِ الكميّات إلى فِلسطين المُحتلّة.
كردستان باتت شِبه مُحاصرةٍ، والحُكومة المركزيّة أوقفت الرحلات الجويّة، وأغلقت الأجواء، وطالبت تركيا بإغلاق الحُدود خاصّةً، ووقف مُرور أيِّ صادراتٍ نفطيّةٍ كُرديّة عبر أراضيها، والأنباء مُتضاربة في هذا الصدد حول جِديّة نوايا أنقرة في التّجاوب مع هذهِ المَطالب وإغلاق الحُدود، فتركيا مُنشغلةٌ هذهِ الأيام في مُحاولة السّيطرة على مدينة إدلب، ومَعبر باب الهوى الحُدودي مع سورية، ومُواجهة قوّات الحماية الكُرديّة في المِنطقة، وإنهاء سَيطرتها على عفرين، أكثر من اهتمامها بموضوع كردستان العراق.
لا نُقلّل مُطلقًا من قوّة البشمرغة، والعقيدة القِتاليّة لجُنودها عندما يَتعلّق الأمر بمدينة كركوك، والحِفاظ على هَويّتها الكُرديّة، حسب أدبيّاتهم، ولكن التورّط في حَربٍ ضد وحدات الجيش العراقي وقوّات الحشد الشعبي ربّما تكون مُغامرة، أو مُقامرة، غير مَحسوبة العَواقب.
السيد مسعود البرزاني كَرّس مَفهوم تقسيم العراق، ومَبدأ الانفصال بمُضيّه قُدمًا بإجراء الاستفتاء، دون أن يَعلم الكُلفة الباهظة لهذهِ الخُطوة، والتي ربّما تكون أبرز أعراضها تقسيم إقليم كردستان نفسه، وانفصال السليمانيّة عن أربيل أو العَكس.
بعد مُغامرة الاستفتاء “المُرتجلة” تأتي الآن مُقامرة الحَرب في كركوك، ولا نَستبعد أن تكون النّتائج أكثر كارثيّةً، لأن هذا التحرّك لن يُوحّد العَرب والأتراك، السنّة والشّيعة، سورية والعراق وإيران وتركيا، سِياسيًّا بل ربّما عَسكريًّا أيضًا ضِد إقليم شمال العراق.
مَعركة كركوك الزّاحفة بِسُرعةٍ، لن تُحدّد حُدود العراق الجديد، بل إقليم كردستان أيضًا، وربّما دُول الجِوار الأُخرى.
“رأي اليوم”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق